الصحافة الإيرانية: هل ستتوسط الصين لإنهاء الحرب بين طهران وواشنطن؟

قد لا تكمن أهمية زيارة عراقجي إلى بكين في التوصل إلى اتفاق فوري بقدر ما تكمن في التحول الذي تكشفه بشأن دور الصين في الشرق الأوسط.

ميدل ايست نيوز: تأتي زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بكين في وقت تجاوزت فيه الحرب الأمريكية على إيران حدود أزمة ثنائية، لتتحول إلى قضية تمس أمن الطاقة والتجارة العالمية والنظام السياسي في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، لا تُعد الصين مجرد حليف لإيران، كما أنها لا تقدم نفسها بديلاً عن الولايات المتحدة في الخليج، بل تحاول الاستفادة من موقعها الفريد، المتمثل في علاقاتها الوثيقة مع طهران، وعلاقاتها الاقتصادية الواسعة مع الدول العربية، واتصالاتها المباشرة بواشنطن، للمساهمة في رسم مسار الدبلوماسية. لكن السؤال الرئيسي هو: إلى أي مدى تستعد بكين فعلياً لدفع كلفة سياسية من أجل إنهاء الحرب؟

تقول صحيفة دنياي اقتصاد، إن زيارة عراقجي إلى بكين في 16 سبتمبر ترافقت مع تأكيد الصين ضرورة عودة إيران والولايات المتحدة إلى مسار التفاوض. ودعا وانغ يي طهران وواشنطن إلى ضبط النفس، وقال إن المحادثات ينبغي أن تُستأنف على أساس التفاهمات السابقة، بما في ذلك تفاهم إسلام آباد. وفي الوقت نفسه، شددت الصين على إعادة فتح مضيق هرمز، وقالت إنها مستعدة للمساعدة في هذه العملية.

وذكرت «الجزيرة» في تحليل نشرته قبل يوم من الزيارة أن بكين لم تعلن بعد عن مبادرة رسمية ومحددة للوساطة بين طهران وواشنطن. وحتى داخل إيران، هناك اختلاف في وجهات النظر بشأن نطاق الدور الصيني؛ إذ يرى بعض التصريحات الصادرة عن شي جين بينغ فرصة للدبلوماسية، بينما يعتقد بعض الخبراء أن تفسيرها على أنها مقترح رسمي للوساطة يتجاوز الموقف الذي أعلنته بكين. ومع ذلك، تتمتع الصين بميزة مهمة تؤهلها لأداء مثل هذا الدور، وهي أنها ترتبط بعلاقات مع معظم الأطراف الرئيسية في الأزمة. ولهذا السبب، تستطيع بكين إبقاء قنوات مفتوحة لا تتوفر أمام العديد من الأطراف الأخرى.

ويؤكد «تشاتام هاوس» في تحليل حول مستقبل الدور الصيني في الخليج، أنه لا ينبغي تفسير هذا التحول على أنه تحرك من بكين لاستبدال الولايات المتحدة. فالنموذجان الصيني والأمريكي مختلفان أساساً؛ إذ بنت واشنطن أمن المنطقة على أساس الوجود العسكري والقواعد والالتزامات الدفاعية، بينما تعتمد الصين بدرجة أكبر على التجارة والطاقة والتكنولوجيا والدبلوماسية. ويرى المعهد أن الحرب قد تتيح للصين فرصة لأداء دور أكبر في تشكيل النظام الإقليمي الجديد، من دون أن يعني ذلك بالضرورة توليها مسؤولية توفير الأمن للمنطقة.

وينسجم هذا النهج أيضاً مع سجل الصين في الشرق الأوسط. فقد سعت بكين خلال السنوات الأخيرة إلى عدم حصر علاقاتها في طرف معين. وكانت الوساطة الصينية بين إيران والسعودية في عام 2023 مثالاً على هذه السياسة، إذ استخدمت العلاقات الاقتصادية والسياسية الواسعة لخفض التوتر، من دون الانخراط في تحالف أمني تقليدي. أما الآن، فتضع الحرب الإيرانية هذه السياسة أمام اختبار أكبر.

فمن جهة، تنظر الصين إلى إيران باعتبارها شريكاً استراتيجياً، ومن جهة أخرى، لا يمكنها تجاهل مصالح دول الخليج. فمضيق هرمز ليس بالنسبة إلى الصين مجرد قضية أمنية، إذ إن أي اضطراب في هذا الممر قد يعطل تدفقات الطاقة والتجارة. ولذلك، يمكن النظر إلى تأكيد بكين ضرورة إبقاء هرمز مفتوحاً باعتباره رسالة دبلوماسية إلى طهران، وكذلك إجراءً لحماية مصالحها الاقتصادية.

وفي تحليل آخر، يؤكد «تشاتام هاوس» أن الحرب قد تؤدي، بدلاً من تحويل الصين إلى ضامن لأمن الخليج، إلى زيادة دورها ضمن نظام أمني متعدد المستويات، تنوّع فيه دول المنطقة علاقاتها في الوقت نفسه مع الولايات المتحدة والصين وتركيا وباكستان وغيرها من القوى. ومن ثم، ينبغي النظر إلى زيارة عراقجي إلى بكين ضمن هذا الإطار. فالصين تواجه الآن هدفين متزامنين: منع اتساع رقعة الحرب وحماية مصالحها. وتريد بكين أن يبقى مضيق هرمز مفتوحاً، وألا يتعرض سوق الطاقة لصدمة طويلة الأمد، وألا تختفي قناة التفاوض بين طهران وواشنطن.

وفي الوقت نفسه، لا تريد الصين أن تتحمل وحدها مسؤولية إنهاء الحرب. ولهذا، فمن المرجح أن يكون الدور الصيني أقرب إلى تيسير الدبلوماسية منه إلى الوساطة التقليدية، من خلال إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتقريب المواقف، وتشجيع الأطراف على العودة إلى التفاوض، واستخدام النفوذ الاقتصادي والسياسي لمنع تصعيد الأزمة.

ويستند تحليل «معهد واشنطن» أيضاً إلى أن استراتيجية الضغط الاقتصادي التي تنتهجها إدارة ترامب ضد إيران تواجه ثغرة مهمة، تتمثل في أن بكين لم تُظهر أي مؤشر على التراجع أمام الضغوط الأمريكية، بل فعّلت، في مواجهة العقوبات الأمريكية، أطرها القانونية المعروفة باسم «قواعد الحجب» لمنع الشركات من الامتثال للعقوبات الأجنبية.

وبالتالي، فإن أي محاولة أمريكية لقطع مصادر إيران الاقتصادية بالكامل ستواجه قيوداً جدية من دون أخذ الدور الصيني في الاعتبار. وفي الواقع، يجادل المقال بأن الضغط على إيران يعتمد إلى حد كبير على مدى استعداد واشنطن لخوض مواجهة اقتصادية مع الصين، لكن مثل هذه المواجهة قد تفرض تكاليف تتجاوز الملف الإيراني، بما في ذلك على النظام المالي والتجارة العالمية.

وفي نهاية المطاف، قد لا تكمن أهمية زيارة عراقجي إلى بكين في التوصل إلى اتفاق فوري بقدر ما تكمن في التحول الذي تكشفه بشأن دور الصين في الشرق الأوسط. فقد تتمكن الصين من محاولة فتح مسار للتفاوض، لكن ما إذا كانت طهران وواشنطن مستعدتين فعلاً لعبور الباب الذي فُتح أمامهما، فهذه مسألة أخرى.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين + ثلاثة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى