الصحافة الإيرانية: انعدام الثقة.. كيف غيّرت الحرب علاقات طهران بجيرانها؟

يبدو أن قطر توصلت إلى إجابة مفادها أن نهاية الحرب يجب أن تتزامن مع إيجاد مسار لقضية هرمز، وأمن دول الخليج، والعلاقة المستقبلية بينها وبين إيران.

ميدل ايست نيوز: «هل إيران مصدر للمشكلات؟» سؤال مباشر قد تكون إجابة رئيس الوزراء القطري عنه أكثر قدرة من كثير من المواقف الدبلوماسية التي صدرت خلال الأسابيع الأخيرة على تفسير الوضع المعقد للعلاقات بين إيران وجيرانها.

تقول صحيفة توسعه إيراني، إن قول رئيس الوزراء القطري إن «إيران ليست صانعة للسلام» ليس مجرد عبارة مثيرة للجدل في مقابلة، بل هو مؤشر على المسافة التي نشأت بين دور قطر كوسيط وتجربة قطر كإحدى الدول المتأثرة بالحرب. تريد قطر التفاوض مع إيران، لكنها في الوقت نفسه تريد أن تضع مخاوفها الأمنية على الطاولة.

وجاءت هذه التصريحات في وقت تُعد فيه قطر واحدة من أكثر الوسطاء نشاطاً في مساعي إعادة طهران وواشنطن إلى طاولة المفاوضات.

وتزيد هذه المزامنة من أهمية تصريحات رئيس الوزراء القطري. فالدوحة ليست دولة قطعت علاقاتها مع طهران، كما أنها لا تنتمي إلى معسكر الرافضين للتفاوض مع إيران. وعلى العكس، يقول المسؤولون القطريون إن فريق الوساطة في بلادهم يتنقل بين العواصم في محاولة لإعادة إيران والولايات المتحدة إلى مسار الحوار. وخلال الأشهر الماضية، دافعت قطر مراراً عن الحل السياسي، بل تفاوضت في بعض المراحل بشكل مباشر مع طهران بشأن ترتيبات مرتبطة بمضيق هرمز، لكنها تتحدث الآن من زاوية أخرى أيضاً: أمنها وأمن جيران إيران.

وربما يكون هذا أهم تحول في المعادلة الجديدة. فالسؤال لم يعد فقط كيف يمكن لطهران وواشنطن التوصل مجدداً إلى اتفاق، بل أصبح أيضاً: كيف غيّرت الحرب نظرة الدول المحيطة بإيران إليها، وهل يمكن التوصل إلى اتفاق مستدام من دون معالجة المخاوف الأمنية لدول الخليج؟

وسيط يشعر بالقلق

لا يمكن فهم مواقف قطر الجديدة فقط في إطار العلاقات بين طهران وواشنطن. فقد غيّرت الحرب المعادلات الأمنية لدول الخليج أيضاً.

وفي الثاني من سبتمبر/أيلول، أدانت وزارة الخارجية القطرية الهجمات الإيرانية على الأردن والبحرين والكويت، ووصفتها بأنها انتهاك لسيادة هذه الدول وسلامة أراضيها ولمبادئ حسن الجوار. وفي البيان نفسه، أعلنت قطر تضامنها مع الدول المستهدفة، ودعت جميع الأطراف إلى وقف الأعمال العسكرية والعودة إلى المفاوضات. ويظهر هذا الموقف أن الدوحة تتحرك بين موقفين قد يبدوان متناقضين للوهلة الأولى.

وهذا ما يمنح تصريحات رئيس الوزراء القطري الأخيرة دلالتها. فقد قال في نيويورك إن إيران دولة جارة لقطر، وإن المنطقة لن تتمكن من الوصول إلى حالة من الاستقرار من دون إنشاء إطار أمني يجمع دول الخليج وإيران، ويضمن ألا يشكل أي طرف تهديداً للآخر. ووصف آل ثاني الحرب الأخيرة بأنها نوع من «ناقوس خطر» للمنطقة، داعياً إلى تحرك مسؤول ومشترك.

وفي هذا الإطار، فإن عبارة «إيران ليست صانعة للسلام» لم تعد مجرد عبارة مثيرة للجدل في مقابلة، بل هي مؤشر على المسافة التي نشأت بين دور قطر كوسيط وتجربة قطر كإحدى الدول المتأثرة بالحرب. تريد قطر التفاوض مع إيران، لكنها في الوقت نفسه تريد أن تضع مخاوفها الأمنية على الطاولة.

هرمز؛ حيث يلتقي الأمن بالاقتصاد

إذا كانت هناك نقطة واحدة تلتقي عندها كل هذه التناقضات، فهي مضيق هرمز. ويقول ماجد الأنصاري إن المنطقة بحاجة إلى حل إقليمي لتحقيق الاستقرار، وإلى تفاهم دولي لحماية الممرات المائية مثل هرمز. كما أن الموقف الرسمي لوزارة الخارجية القطرية يتمثل منذ أسابيع في إعادة حرية الملاحة والعبور البحري بما يتوافق مع القانون الدولي.

ولا تقتصر أهمية المسألة بالنسبة إلى قطر على الجانب السياسي. فاقتصاد البلاد يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات الغاز الطبيعي المسال، وقد وصلت أزمة هرمز بشكل مباشر إلى البنية التحتية للطاقة وخطط قطر لتوسيع إنتاج الغاز. وأفادت «رويترز» بأن الاضطرابات في مضيق هرمز يمكن أن تؤدي إلى تأخير جزء من برنامج قطر الضخم لتوسيع إنتاج الغاز الطبيعي المسال.

ومن وجهة نظر الدوحة، لا يمكن حل المشكلة من خلال تجاوز هرمز؛ بل يجب حل أزمة هرمز نفسها. وهذا ما يزيد من وزن إيران في المفاوضات، لكنه في الوقت نفسه يزيد حساسية جيرانها تجاه سياسات طهران.

من دولة جارة إلى قضية أمنية

تضع التطورات الأخيرة أمام طهران سؤالاً أكثر صعوبة أيضاً: كيف تنظر الدول العربية إلى إيران بعد هذه الحرب؟

لسنوات، استند جزء مهم من السياسة الإقليمية الإيرانية إلى فكرة أن الوجود العسكري الأميركي وتدخل القوى الخارجية هما العاملان الرئيسيان وراء انعدام الأمن في الخليج، وأن دول المنطقة قادرة على إنشاء آلية أمنية مشتركة من دون تدخل خارجي.

أما الآن، فتتحدث قطر أيضاً عن «إطار أمني إقليمي»، لكن المخاوف من سلوك إيران تشكل، في تصور الدوحة، جزءاً من هذه المعادلة. فمن جهة، تقول قطر إنه لا ينبغي لأي دولة أن تعرض دولة أخرى لانعدام الأمن بشكل دائم، ومن جهة أخرى تؤكد ضرورة أن تكون إيران ودول الخليج جزءاً من آلية تضمن ألا يشكل أي طرف تهديداً للطرف الآخر.

وساطة من دون ثقة؟

تريد الدوحة التفاوض مع طهران، لكنها تقول في الوقت نفسه إن الأمن المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا عندما لا تهدد أي دولة دولة أخرى. ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأهم في الجولة الجديدة من الدبلوماسية هو فقط: «على ماذا ستتفق طهران وواشنطن؟». بل السؤال الأكبر هو: هل سيكون الاتفاق الذي يدير الخلاف بين إيران والولايات المتحدة وحده كافياً لمنطقة دفعت، خلال الأشهر الماضية، كلفة الحرب بشكل مباشر؟

يبدو أن قطر توصلت إلى إجابة مفادها أن نهاية الحرب يجب أن تتزامن مع إيجاد مسار لقضية هرمز، وأمن دول الخليج، والعلاقة المستقبلية بينها وبين إيران. وهنا تحديداً تصبح مهمة الوسيط أكثر صعوبة؛ لأن الدول التي يفترض أن تقرّب طهران من واشنطن لم تعد مجرد وسطاء في المفاوضات، بل تحولت هي نفسها إلى أطراف ذات مصلحة في هندسة السلام بعد الحرب.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى