الصحافة الإيرانية: هل يتحول جنوب سوريا إلى «حزام أمني» إسرائيلي لاحتواء تركيا؟

يمكن النظر إلى مجمل التحركات الإسرائيلية في إطار مساعي إدارة البيئة الأمنية المحيطة بالجولان ومنع إعادة تشكل بنية عسكرية سورية متماسكة.

ميدل ايست نيوز: تحوّل الجنوب السوري خلال الأشهر الأخيرة إلى ساحة لمجموعة من التحركات العسكرية والتوغلات البرية والهجمات المدفعية والطلعات الاستطلاعية الإسرائيلية، وهو مسار قد يبدو للوهلة الأولى استمراراً للسياسة التي اتبعتها إسرائيل تجاه سوريا بعد سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، إلا أن تكرار هذه الإجراءات وتوزعها جغرافياً يكشفان عن أبعاد أوسع. فمن القنيطرة ودرعا إلى محيط دمشق، وصولاً إلى الهجمات على البنية التحتية العسكرية في شمال سوريا، تعمل مجموعة التحركات الإسرائيلية على تشكيل نمط أمني جديد.

وتمثلت أحدث حلقات هذا المسار في الانفجار الذي وقع داخل مستودع للذخيرة تابع للجيش السوري في منطقة العيس جنوب حلب. وأفادت مصادر سورية في البداية بإصابة أربعة أشخاص، فيما أعلنت وزارة الدفاع السورية أن التحقيق في أسباب الحادث مستمر، مشيرة إلى أن دمشق تبحث احتمال تورط إسرائيل، من دون توجيه اتهام رسمي إليها حتى الآن. من جانبها، نفت إسرائيل أي صلة لها بالانفجار.

وتكمن أهمية حادثة العيس في أنها تُعد الانفجار الكبير الثالث أو الرابع في مراكز عسكرية سورية خلال الأسابيع الأخيرة. وقبلها وقعت انفجارات في دير الزور وإدلب. وبالتالي، حتى من دون إسناد هذه الحوادث بشكل قاطع إلى إسرائيل، فإن تكرار الانفجارات في المراكز العسكرية جعل أمن المستودعات والسيطرة على الأسلحة وهشاشة البنية الدفاعية السورية قضية استراتيجية.

وفي الوقت نفسه، استهدفت القوات الإسرائيلية مواقع في محيط عابدين وجملة ووادي الرقاد في محافظة درعا. كما أفادت تقارير محلية بدخول مركبات عسكرية إسرائيلية إلى بعض المناطق القريبة من خطوط الحدود، إلى جانب تحليق مكثف لطائرات مسيّرة استطلاعية. وتأتي هذه التحركات في وقت تقدمت فيه إسرائيل، بعد سقوط الأسد، في المناطق القريبة من الجولان ووسعت وجودها العسكري في نقاط عدة من جنوب سوريا.

منع تشكل سوريا عسكرية

لفهم أسباب تعدد الهجمات، ينبغي الابتعاد عن منطق «الهجوم المنفرد». ويمكن النظر إلى مجمل التحركات الإسرائيلية في إطار مساعي إدارة البيئة الأمنية المحيطة بالجولان ومنع إعادة تشكل بنية عسكرية سورية متماسكة. ووفق هذا المنظور، لا يقتصر الهدف على تدمير مستودع أو موقع محدد، بل تتمثل القضية الأساسية في منع إعادة بناء القوة العسكرية السورية تدريجياً.

واجهت إسرائيل بعد سقوط حكومة الأسد واقعاً مختلفاً عن السابق. فقد انهارت البنية المركزية السابقة، فيما تمر المؤسسات العسكرية والأمنية السورية بمرحلة إعادة بناء. ومن المنظور الإسرائيلي، يمكن أن تشكل هذه المرحلة الانتقالية نافذة لترسيخ ترتيبات أمنية تتوافق مع مصالحها. ويمكن للهجمات المتكررة على المراكز العسكرية والمطارات ومستودعات الأسلحة والبنية التحتية الدفاعية أن تؤدي، في هذا الإطار، وظيفة وقائية تتمثل في منع الجيش السوري الجديد من التحول مستقبلاً إلى قوة ذات قدرات استراتيجية.

وترتبط هذه السياسة أيضاً بتركيا. فقد أظهرت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور في شمال سوريا في أغسطس/آب 2026 أن حساسية تل أبيب لا تقتصر على الأسلحة السورية، بل تشمل أيضاً الوجود التركي المحتمل في الهيكل الأمني الجديد لسوريا. وبررت إسرائيل الهجوم بمخاوف من نشر قوات تركية في هذه القاعدة، بينما نفت دمشق وجود مثل هذه الخطة. كما أعلن المسؤول الأمريكي توم باراك أن إسرائيل لم تُبلغ واشنطن قبل تنفيذ الهجوم، وهو ما زاد المخاوف الأمريكية من احتمال تصادم المصالح الإسرائيلية والتركية.

وبالتالي، يمكن النظر إلى تكرار الهجمات بوصفه نوعاً من سياسة «الردع الاستباقي»، أي محاولة تحديد الخطوط الحمراء قبل أن تترسخ القدرات العسكرية والتحالفات الخارجية لسوريا. إلا أن لهذه السياسة تداعيات أخرى على المستوى الإقليمي، إذ إن اتساع نطاق العمليات يزيد احتمال تحول جنوب سوريا إلى منطقة دائمة للتنافس العسكري والأمني.

لبنان والأردن: ضلعان مكملان في جنوب سوريا

لا يمكن فهم الاستراتيجية الإسرائيلية من دون أخذ لبنان والأردن في الاعتبار. يقع لبنان غرب سوريا والأردن جنوبها، ويرتبط البلدان بشكل مباشر بالتطورات الأمنية والجغرافية في جنوب سوريا. ولذلك، فإن أي تغيير في الترتيبات الأمنية في القنيطرة ودرعا يمكن أن يؤثر أيضاً في التوازنات الأمنية على حدود البلدين.

في ما يتعلق بلبنان، تتمثل القضية الرئيسية بالنسبة إلى إسرائيل في استمرار تهديد حزب الله ومنع تشكل امتداد عسكري متصل بين سوريا ولبنان. ومن هنا، تكتسب مناطق جنوب سوريا، ولا سيما المناطق القريبة من دمشق ومسارات الاتصال، أهمية خاصة. ويمكن النظر إلى زيادة الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع للسيطرة على مسارات نقل الأسلحة والحد من قدرة الشبكات المسلحة على إعادة بناء نفسها. وفي الوقت نفسه، يشير استمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان إلى أن الجبهتين السورية واللبنانية ليستا منفصلتين في الحسابات الأمنية الإسرائيلية.

أما الأردن، فيؤدي دوراً مختلفاً. فهو دولة مجاورة مباشرة لدرعا، وأي حالة من عدم الاستقرار في جنوب سوريا يمكن أن تمتد إلى حدوده. وفي الوقت نفسه، تحول الأردن إلى أحد أهم المسارات الدبلوماسية لإدارة التوتر بين سوريا وإسرائيل. وأظهرت المفاوضات السورية الإسرائيلية بوساطة أمريكية في الأردن في أغسطس/آب 2026 أن هذا البلد ليس مجرد جار جغرافي، بل يمكن أن يتحول إلى منصة اتصال بين أطراف متخاصمة.

وعليه، تتسم أهمية الأردن بالنسبة إلى الاستراتيجية الإسرائيلية بطابع مزدوج. فمن جهة، يمثل الحفاظ على استقرار الحدود الأردنية أهمية لمنع انتقال حالة عدم الاستقرار من جنوب سوريا، ومن جهة أخرى، يتيح موقع الأردن إنشاء آليات اتصال والحيلولة دون وقوع مواجهات بين القوات السورية والإسرائيلية. ولذلك، فإن مستقبل جنوب سوريا لن يعتمد فقط على التطورات في القنيطرة ودرعا، بل أيضاً على قدرة الأردن على إدارة التداعيات الأمنية لهذه التطورات.

بشكل عام، لا يمكن النظر إلى تعدد الهجمات الإسرائيلية على أنه مجرد مجموعة من العمليات المنفردة. فهذه الهجمات، إلى جانب التحركات البرية وإنشاء مواقع جديدة، تشكل جزءاً من مسعى لتشكيل البيئة الأمنية في مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري السابق، وهي بيئة تكتسب فيها ثلاثة أهداف أهمية خاصة، تتمثل في منع إعادة بناء القدرات العسكرية لدمشق، والحد من نفوذ الأطراف المنافسة، ولا سيما تركيا، والحفاظ على عمق أمني حول الجولان.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى