دلالات زيارة لافروف إلى طهران وحظوظ الوساطة الروسية

أشار خبير إيراني إلى أن هذه الزيارة تأتي ضمن جولة إقليمية شملت أو ستشمل دولاً أخرى في المنطقة، مبيناً أن قلق موسكو حيال منطقة الخليج وتصاعد مرتقب للتوتر قد زاد مقارنة بالسابق.

ميدل ايست نيوز: تثير زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، اليوم الاثنين، إلى العاصمة الإيرانية طهران لإجراء محادثات مع كبار قادتها تساؤلات حيال ما إذا كانت تأتي في سياق مساعٍ للوساطة ونقل الرسائل بين طهران وواشنطن، ولا سيما بعد أن دخلت موسكو على هذا الخط منذ نحو أسبوعين، إثر إعلان الكرملين أخيراً أن الرئيس فلاديمير بوتين نقل الرؤية الإيرانية بشأن الحل المحتمل لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة إلى نظيره الأميركي دونالد ترامب.

وما يمنح الزيارة أهمية إضافية هو أنها تسبق زيارة مرجحة لقائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، الذي يلعب دور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة. وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية كلها، مدفوعة بالمخاوف من احتمال شن الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً جديدة على إيران. كما أن وصول لافروف إلى طهران غداة زيارته إلى البحرين يثير تساؤلات من النوع الآخر، عما إذا كان يحمل أيضاً رسائل خليجية إلى طهران؛ على وقع توترات متصاعدة في العلاقات بين الطرفين خلال الشهور الأخيرة.

وفي ما يخص أجندة زيارة لافروف، التي تُعد الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي، أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن زيارة وزير الخارجية الروسي تندرج في إطار المشاورات المستمرة بين طهران وموسكو، بهدف متابعة تنفيذ الاتفاقات الثنائية والتشاور حول التطورات الإقليمية والدولية. من جهتها، أعلنت وزارة الخارجية الروسية في بيان أصدرته أمس الأحد، أن اللقاءات ستتضمن “تبادلاً صريحاً وعميقاً” لوجهات النظر بشأن طيف واسع من قضايا التعاون الثنائي والملفات الدولية الرئيسية، فضلاً عن استعراض الأوضاع في منطقة الخليج، وسبل تسوية الأزمة الدولية الناجمة عن العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران.

وقبيل وصوله إلى طهران، حاول لافروف إرسال رسائل محددة، بعضها مطمئن للجانب الإيراني والآخر منتقد لواشنطن؛ حيث رأى أن مقاربة ترامب تجاه إيران “خاطئة”، مؤكداً أن هذا النهج لا يسهم في التوصل إلى اتفاق يرتكز على الاحترام المتبادل وقواعد القانون الدولي.

بداية الوساطة الروسية

في العاشر من شهر أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، ومع تزايد الاتصالات واللقاءات الروسية الأميركية بشأن الملف الأوكراني، برزت ملامح وساطة روسية بين طهران وواشنطن؛ حيث أعلن المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أطلع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في أحد لقاءاتهما على اتصال هاتفي سيجمعه بالرئيس الأميركي. وجاء هذا التواصل على هامش اللقاء الثنائي الذي جمع الرئيسين الروسي والإيراني في تركمانستان، في التاسع من الشهر الجاري، على هامش قمة الدول المستقلة.

مع ذلك، لا تزال طهران لا تعتبر التحركات الروسية بمثابة وساطة رسمية بينها وبين واشنطن؛ إذ أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الأسبوع الماضي في مؤتمره الصحافي، ردا على سؤال حول ما إذا كانت روسيا قد انضمت رسميا إلى قائمة الوسطاء، أنه “من الناحية الفنية بالمعنى الدقيق للكلمة، لا تزال كل من باكستان وقطر تلعبان دور الوسيط الفعلي بين إيران وأميركا”، مضيفاً أن المشاورات الإيرانية الروسية في مختلف الملفات، ولا سيما الملف النووي، ليست أمراً جديداً.

حظوظ ضئيلة للوساطة الروسية

وفي هذا السياق، أشار الخبير الإيراني هادي محمدي، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إلى أن هذه الزيارة تأتي ضمن جولة إقليمية شملت أو ستشمل دولاً أخرى في المنطقة، مبيناً أن قلق موسكو حيال منطقة الخليج وتصاعد مرتقب للتوتر قد زاد مقارنة بالسابق، مما دفعها لتكثيف أنشطتها الدبلوماسية. وأوضح محمدي أن هذه التحركات تندرج في إطار مساعي الوساطة أو خفض التوتر والسيطرة عليه، لافتاً إلى وجود ارتباط وثيق بين الحرب الإيرانية الأميركية والملف الأوكراني في ظل الاتصالات الأخيرة بين واشنطن وموسكو.

وأضاف الخبير الإيراني أن هناك ترجيحاً بأن يحمل الجانب الروسي في هذه الأيام “شديدة الحساسية” رسائل محددة من واشنطن أو تل أبيب، مذكرا بأن الرئيس بوتين سبق أن نقل رسائل بين طهران وتل أبيب دون أن تلتزم بها الأخيرة بها. ويشير محمدي بذلك إلى رسالة إسرائيلية نقلتها موسكو قبل الحرب الأخيرة إلى طهران، مفادها بأن إسرائيل لا تنوي مهاجمتها.

وأعرب محمدي عن اعتقاده بأن روسيا تسعى لتجربة حظها في الحد من التصعيد كباقي الأطراف المعنية، مستدركا بأن التعويل على ذلك يظل محدودا؛ نظراً لأن “الخطأ المنهجي الذي ترتكبه بعض الأطراف، هو أنها تمارس الضغط على إيران وحدها لدفعها نحو قبول شروط الطرف الآخر، مع تجاهل أن طهران هي الطرف الذي تعرض للعدوان والتزم بمذكرة تفاهم إسلام أباد المبرمة خلال يونيو الماضي، لكن الجانب الأميركي نقضها”. ومع ذلك، خلص محمدي إلى أن الزيارة قد تسهم في الحد نسبيا من التوترات الإقليمية، مستبعدا حل الأزمة المعقدة بزيارة واحدة، مشيرًا إلى أنها قد تمثل في أفضل الأحوال بداية لسلسلة من الحوارات المستقبلية؛ أو ربما المحاولة الأخيرة قبيل اندلاع حرب جديدة.

تبادل الحقائق الصعبة

من جانبه، لفت الخبير الإيراني عباس أصلاني، في حديثه لـ”العربي الجديد” إلى أن زيارة لافروف تعكس عمق التنسيق المشترك بين طهران وموسكو لمواجهة الضغوط الغربية أحادية الجانب. ورغم تركيز الأنظار عادة على طبيعة علاقة الرئيس الروسي بنظيره الأميركي، رأى أصلاني أن التحديات الاقتصادية والسياسية والعسكرية المشتركة التي تواجهها إيران وروسيا تضفي أهمية بالغة على التعاون الثنائي والإقليمي والدولي بينهما. وبيّن أصلاني أن احتمالية أن يحمل وزير الخارجية الروسي رداً أو رسالة من واشنطن “تبقى فرضية محتملة” تتطلب الانتظار وعدم استباق الأحكام، مشيراً إلى أن الزيارة قد تتضمن تقييماً روسياً لمواقف إدارة ترامب عشية الانتخابات النصفية الأميركية.

وأكد أن موسكو على دراية بخطوط إيران الحمراء ومواقفها الاستراتيجية الثابتة التي أُعلنت عنها مسبقاً عبر “خطة الأيام السبعة” أو “الشروط السبعة”، مستبعدا حصول تغيير جوهرى فيها. وشدد أصلاني في ختام حديثه على أن الزيارة قد تمثل قناة لتبادل “الحقائق الصعبة”، بيد أن مفتاح أي انفراجة حقيقية يظل بيد واشنطن وعبرها بقبول واقع الأمن والقوة الجديد في الخليج، لا سيما أن المشكلة لا تكمن في نقص الوسطاء، بل في “المطالب الأميركية المبالغ فيها ورفضها للواقع”. وتابع أن هذه المعطيات إن تغيرت، فستكتسب الدبلوماسية والتفاهم “معنى حقيقياً وأجدى”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر − ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى