تحول العقيدة الإيرانية من الردع إلى الهجوم.. منع الحرب أم تعميم المواجهة؟

قد تتمكن إيران من إلحاق أضرار بخصومها، لكن ذلك لا يمنع تعرضها هي أيضاً لخسائر فادحة، ولا يضمن تحقيق النتيجة السياسية التي تسعى إليها.

ميدل ايست نيوز: اكتسبت التصريحات الأخيرة للمتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، حسين محبي، بشأن الانتقال من العقيدة الدفاعية إلى النهج الهجومي أهمية في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة. ووفقاً لقناة الجزيرة، أعلن محبي أن إيران لن تكتفي بعد الآن بالرد، بل ستتخذ أيضاً إجراءات هجومية في حال تعرضها لعدوان. وفي الوقت نفسه، ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن طهران حذّرت من أن أي هجوم جديد تشنه الولايات المتحدة وإسرائيل قد يدفعها إلى توسيع نطاق ردها ليشمل أهدافاً اقتصادية ومدنية في دول الخليج.

وجاءت هذه المواقف في ظل تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتخاذ قرار وشيك، وتأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضرورة تغيير النظام في إيران. وتخشى طهران أن تكون التهديدات المتكررة مقدمة لشن هجمات أوسع نطاقاً. ومع ذلك، فإن تحويل عقيدة «المنطقة بأكملها بدلاً من القواعد الأمريكية» إلى استراتيجية أساسية، بدلاً من كونها أداة مكملة للدبلوماسية، قد يعرّض الأمن الذي يُفترض أن تحميه لمزيد من المخاطر.

تقول صحيفة توسعه إيراني، إن سياسة الردع تكون فعالة عندما تتجاوز كلفة الهجوم على الطرف الآخر المكاسب التي يمكن أن يحققها منه. وتسعى إيران، بعد الهجمات السابقة، إلى إظهار أن تكرار الهجوم، خلافاً للاعتقاد بأنه سيكون عملية محدودة، قد يؤدي إلى أضرار واسعة النطاق في المنطقة. ويأتي هذا التحول رداً على إخفاق سياسة الردع السابقة، لكن واشنطن وتل أبيب قد تعتبران التهديدات الأوسع مبرراً لتصعيد الضغط العسكري. وأشار تقرير لوكالة «رويترز» إلى أن القادة العسكريين الإيرانيين يدرسون رداً أوسع نطاقاً، في وقت لا تزال فيه طهران تسعى إلى إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

ويتمثل السؤال المحوري في ما إذا كانت العقيدة الهجومية أداة لتعزيز الموقف التفاوضي، أم مؤشراً على تغلّب الخيار العسكري على المسار الدبلوماسي. فقد يمنع التهديد اندلاع الحرب، لكنه إذا تحول إلى استراتيجية أساسية، فسيرفع مخاطر سوء التقدير والتصعيد المتبادل.

تمثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الأدوات الرئيسية للردع غير المتكافئ الإيراني، إذ يمكنها تهديد القواعد والبنى التحتية العسكرية الأمريكية. وادعى المتحدث باسم الحرس الثوري أن مخزونات الصواريخ ازدادت، وأن مداها ودقتها وقدرتها التدميرية تحسنت مقارنة بحرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025. لكن لا تتوفر بيانات مستقلة تؤكد هذه الادعاءات، فيما تشير تقارير إلى احتفاظ إيران بجزء من ترسانتها واحتمال استمرار الإنتاج بمستويات محدودة.

ولا تكمن المسألة الأساسية في عدد الصواريخ، بل في القدرة على صيانتها، والحصول على قطع الغيار، وتوفير منصات الإطلاق، وتحسين دقة الاستهداف، ومواصلة العمليات في مواجهة الهجمات المضادة. كذلك، تفرض الطائرات المسيّرة تكاليف على منظومات الدفاع، لكن القدرة على إلحاق الأضرار لا تعني بالضرورة القدرة على الانتصار في حرب طويلة. وإذا أدت الحرب إلى تدمير البنى التحتية الإيرانية وتعطيل الإنتاج والصادرات، فسيصبح الحفاظ على القدرات العسكرية وتلبية احتياجات المجتمع، الذي يضم نحو 90 مليون نسمة، أكثر صعوبة. ومن هنا، تشكل القدرة على الصمود اقتصادياً واجتماعياً الجانب الآخر من معادلة الردع.

تحمل التهديدات باستهداف المطارات وخطوط الأنابيب ومنشآت الطاقة تداعيات تتجاوز ساحة المعركة. إذ تعتمد دول الخليج على شبكة مترابطة من الموانئ والمصافي والمراكز المالية، وقد يؤدي تعطّل جزء منها إلى وقف الرحلات الجوية، وارتفاع تكاليف التأمين البحري، واضطراب صادرات الطاقة، وهروب رؤوس الأموال، وتزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي. ويُعد مضيق هرمز نقطة محورية لانتقال الأزمة إلى الاقتصاد العالمي.

وهنا تواجه دول المنطقة معادلة صعبة: الاعتماد على الولايات المتحدة لضمان الأمن من جهة، وتحمل تكاليف قرارات لا تملك السيطرة عليها من جهة أخرى. وقد تدفع الهجمات على البنى التحتية لهذه الدول الحكومات التي كانت تسعى إلى الحياد نحو تعاون أوثق مع واشنطن وتل أبيب، بما يقلب استراتيجية رفع كلفة الهجوم على أهدافها.

ولا تتحول البنى التحتية المدنية إلى أهداف عسكرية مشروعة لمجرد أهميتها الاقتصادية. بل يجب تقييم أي هجوم وفقاً لمبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني. كما أن تدمير البنى التحتية الحيوية التي يعتمد عليها المدنيون تترتب عليه عواقب إنسانية وقانونية جسيمة.

أدى اقتراب الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية إلى تصعيد الخطاب التهديدي للقادة. وقد تكون هذه التهديدات وسيلة لممارسة الضغط وانتزاع التنازلات، لكن عندما تنظر طهران إليها باعتبارها مقدمة لهجوم، فإنها تعزز حالة التأهب العسكري وتدفع نحو تبني مواقف أكثر تشدداً. وكلما اتسع نطاق التهديدات، ضاقت مساحة التراجع، وأصبحت مخاطر غياب قناة تفاوض فعالة أكبر.

وحتى إذا لم يكن أي طرف يرغب في البداية في خوض حرب شاملة، فإن هجوماً محدوداً أو خطأً في التقدير قد يطلق سلسلة من الأحداث يصعب احتواؤها.

وبالنسبة إلى إيران، لا تتمثل المسألة الأساسية في حجم الأضرار التي ستلحق بالعدو، بل في وضع البلاد بعد انتهاء الحرب. فالمشكلات الاقتصادية الهيكلية، وتهالك البنى التحتية، والعقوبات، كلها تحديات قائمة بالفعل. وأي حرب تستهدف المياه والكهرباء والغاز والنقل والصناعات ستستنزف موارد إعادة الإعمار لسنوات.

وإذا استمرت العقوبات، فسيصبح الوصول إلى التكنولوجيا ورؤوس الأموال والأسواق أكثر صعوبة، وقد تؤدي كلفة الحرب إلى تقليص فرص التنمية أمام الأجيال المقبلة. ويعكس التحذير من «التراجع أكثر من نصف قرن» حجم المخاطر المحتملة.

ولا تقتصر التكاليف على إيران؛ فدول الخليج ستواجه اضطرابات اقتصادية وتراجع ثقة المستثمرين، والولايات المتحدة ستتحمل ارتفاع النفقات العسكرية وضغوطاً على أسواق الطاقة، فيما ستواجه إسرائيل موجة جديدة من الهجمات وتكاليف أمنية متزايدة. ولا تتعلق القضية بتحديد الرابح والخاسر في هجوم واحد، بل بمنع نشوء دوامة تترك جميع الأطراف أمام اقتصاد أكثر إنهاكاً ومنطقة أشد اضطراباً.

يمثل تغيير العقيدة محاولة لإعادة تعريف الردع بعد الهجمات السابقة. وتسعى طهران إلى إظهار أن أي حرب مقبلة ستكون لها تكاليف إقليمية واسعة. لكن القدرة على التهديد تختلف عن القدرة على التحكم في العواقب. فكلما اتسع نطاق الأهداف المحتملة، ازدادت احتمالات دخول أطراف إضافية إلى الصراع وتفاقم الأزمة الاقتصادية.

وقد تتمكن إيران من إلحاق أضرار بخصومها، لكن ذلك لا يمنع تعرضها هي أيضاً لخسائر فادحة، ولا يضمن تحقيق النتيجة السياسية التي تسعى إليها. ولتجنب حرب تؤخر التنمية عقوداً، ينبغي ربط الردع بالحفاظ على مسار التفاوض. وإلا، فستواصل جميع الأطراف استعراض قدرتها على التدمير، لتنتهي المواجهة بمنطقة متضررة أمنياً واقتصادياً، وفاقدة لفرص التنمية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر + سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى