انتصار الديمقراطيين وكابوس ترامب الجديد.. ماذا سيحدث للحرب مع إيران؟

لا تتوقف المسألة الحاسمة على نتائج الانتخابات الأمريكية وحدها، ولا حتى على رغبة نتنياهو، بل على حسابات ترامب بشأن كلفة استمرار الحرب ومكاسبها.

ميدل ايست نيوز: أربكت خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية الحسابات السياسية في البيت الأبيض، بعدما أسهمت الحرب مع إيران وارتفاع أسعار البنزين في تراجع شعبية الحزب. ويواجه ترامب ضغوطاً داخلية لاحتواء كلفة الحرب، في وقت يدفع فيه نتنياهو نحو شن هجمات جديدة على إيران، بينما لا يزال الخيار العسكري مطروحاً أمام واشنطن.

شهدت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية هزيمة كبيرة للجمهوريين وفوزاً للديمقراطيين في واحدة من أهم المنافسات السياسية خلال الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب. ولا تقتصر تداعيات هذه الانتخابات على تغيير موازين القوى في الكونغرس، بل قد تؤثر أيضاً في حسابات البيت الأبيض بشأن مواصلة الحرب مع إيران.

وبحسب أحدث تقرير لوكالة أسوشيتد برس، تمكن الديمقراطيون من السيطرة على مجلس الشيوخ، واقتربوا من الحصول على الأغلبية في مجلس النواب. وجاء هذا الفوز بعدما كان الجمهوريون يتمتعون بالأغلبية في المجلسين قبل الانتخابات، فيما تولى ترامب شخصياً جانباً مهماً من الحملة الانتخابية لحزبه. غير أن خسارة الجمهوريين في ولايات مثل تكساس وكانساس وكارولينا الجنوبية وأوهايو وكارولينا الشمالية أظهرت أن الاستياء من أداء إدارة ترامب لم يقتصر على الولايات المؤيدة للديمقراطيين.

وفي تحليلها لنتائج الانتخابات، حددت أسوشيتد برس ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، والمخاوف من الفساد الحكومي، والحرب مع إيران، بوصفها قضايا أثرت في خيارات الناخبين. ووفقاً لاستطلاع أجرته الوكالة، قيّم نحو ثلاثة أرباع الناخبين الوضع الاقتصادي الأمريكي بأنه سيئ، فيما قال نحو ثمانية من كل عشرة إن التضخم يفرض ضغوطاً مالية متوسطة أو شديدة على أسرهم.

وبذلك، يمكن اعتبار انتخابات التجديد النصفي بمثابة استفتاء على أداء العامين الأولين من ولاية ترامب الرئاسية الثانية، أظهرت نتائجه أن الوعود الانتخابية للرئيس الأمريكي بتحسين الاقتصاد وخفض تكاليف المعيشة لم تتحقق، على الأقل بالنسبة إلى شريحة واسعة من الناخبين.

حرب إيران.. أحد عوامل هزيمة ترامب

تمثلت إحدى أبرز محطات هذه الانتخابات في اعتراف ترامب غير المباشر بتأثير الحرب مع إيران في نتائج المنافسة. فقد أقر في مقابلة مع قناة فوكس نيوز بأن الملف الإيراني كان أحد العوامل التي أسهمت في هزيمة الجمهوريين، لكنه سارع إلى التأكيد أن الأمريكيين يدركون أهمية الإنجازات العسكرية التي حققتها بلادهم في مواجهة إيران.

كما أرجع ترامب استياء الناخبين إلى ارتفاع أسعار البنزين، وقال إن المواطنين يؤيدون الإجراءات التي يتخذها تجاه إيران، لكنهم ربما لم يكونوا مستعدين لتحمل تكلفتها الأولية والقصيرة الأجل، والمتمثلة في دفع المزيد مقابل الوقود. وأضاف أنه يتفهم رد الفعل هذا، لكنه لا يوافق عليه.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية من عدة جوانب. أولاً، أقر الرئيس الأمريكي عملياً، خلافاً لمحاولاته فصل نتائج الانتخابات عن أداء إدارته، بأن الحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية لم تكونا بمنأى عن هزيمة الحزب الجمهوري. وثانياً، لا يزال ترامب غير مستعد لتحمل المسؤولية الكاملة عن تكاليف الحرب، إذ يحاول تبرير سياسته من خلال الفصل بين المكاسب العسكرية والتبعات الاقتصادية.

لكن المسألة الأساسية تتمثل في أن ارتفاع تكاليف الطاقة ليس مجرد قضية اقتصادية. ففي الولايات المتحدة، تؤثر أسعار البنزين مباشرة في الحياة اليومية للمواطنين، ويمكن أن تتحول سريعاً إلى قضية انتخابية. ويزيد استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز وحالة عدم اليقين في سوق النفط العالمية من خطر تحول حرب تخوضها إدارة ترامب تحت أهداف أمنية معلنة إلى عامل يفاقم الاستياء الداخلي.

هل يتراجع ترامب أم يصعّد الهجمات؟

على الرغم من هزيمة الجمهوريين، لا يمكن الاستنتاج حتى الآن أن واشنطن تتجه نحو إنهاء الحرب فوراً. بل إن تصريحات ترامب المتناقضة بعد ظهور نتائج الانتخابات تشير إلى محاولته إرسال رسالتين مختلفتين في الوقت نفسه: الأولى تتعلق بالاستعداد للتعاون مع الديمقراطيين والتوصل إلى تفاهم، والثانية تتمثل في الاحتفاظ بصلاحياته لمواصلة العمليات العسكرية.

وأعلن ترامب في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز قبوله نتائج الانتخابات واستعداده للتعاون مع الديمقراطيين. كما قال إنه لا يريد أن يمضي العامين الأخيرين من رئاسته في استخدام حق النقض ضد جميع مشاريع القوانين التي يقدمها الديمقراطيون. ويعكس هذا الموقف، مقارنة بتهديداته الأولية باستخدام حق النقض، محاولة لإدارة تداعيات الهزيمة الانتخابية.

ومع ذلك، لا يزال موقفه من إيران متشدداً. فقد أكد ترامب في مقابلة مع شبكة سي بي إس أن الحرب مع إيران ستنتهي عندما يقرر هو ذلك ويعلن انتهاءها. كما قال إن المهمة الأمريكية في إيران لم تنته بعد، وإن واشنطن قد تلجأ مجدداً إلى العمل العسكري.

وينبغي فهم هذا التناقض في ضوء الظروف السياسية الجديدة في الولايات المتحدة. فمن جهة، لا يريد ترامب أن تُسجل هزيمة الجمهوريين بوصفها نتيجة مباشرة لسياسته الخارجية والحرب التي يخوضها، ومن جهة أخرى، لا يستطيع الانسحاب من مواجهة استنزفت رصيداً سياسياً واقتصادياً على مدى أشهر من دون تحقيق مكاسب يمكن تقديمها للرأي العام.

وفي هذا السياق، أفاد موقع أكسيوس قبل الانتخابات بأن ترامب لا يتعجل اتخاذ قرار بشأن استئناف الهجمات، ويفضل إبقاء مسار المفاوضات مفتوحاً بالتزامن مع الاحتفاظ بالخيار العسكري. وتكتسب هذه المقاربة أهمية أكبر الآن، لأن الهزيمة الانتخابية ترفع الكلفة السياسية لأي عملية عسكرية واسعة جديدة، لكنها لا تسلب الرئيس بالضرورة صلاحية إصدار الأمر ببدئها.

خطر هجوم جديد.. حاملات الطائرات تخيم على المفاوضات

لا تقتصر المخاوف من تصعيد المواجهة على التهديدات الكلامية. فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن الولايات المتحدة شنت، قبل ساعات من الانتخابات، هجوماً محدوداً على أهداف إيرانية في نطاق مضيق هرمز. وذكر مسؤول أمريكي أن الضربات استهدفت مواقع استخدمتها القوات الإيرانية لإطلاق صواريخ أرض جو باتجاه القوات الأمريكية. كما أفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارات في قشم وهنغام ومحيط بندر عباس.

وفي الوقت نفسه، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن القيادة المركزية الأمريكية أعدت خطة لشن هجمات جديدة على إيران اعتباراً من يوم الأربعاء، بعد الانتخابات. وأشارت الصحيفة إلى وجود ثلاث حاملات طائرات أمريكية في المنطقة، وإلى ضيق النافذة الزمنية الملائمة لتنفيذ عملية عسكرية، بوصفهما من العوامل التي أخذتها الخطة في الحسبان. لكن وجود خطة عسكرية لا يعني صدور قرار نهائي بشن الهجوم، إذ لا يزال القرار بيد ترامب.

وكانت نيويورك تايمز قد أفادت في وقت سابق بإعداد الولايات المتحدة وإسرائيل خيارات عملياتية لشن هجمات قصيرة لكنها مكثفة، يمكن أن تستهدف البنية التحتية للطاقة والمنشآت النووية والترسانة الصاروخية ومنظومات الطائرات المسيّرة الإيرانية.

واللافت أن طرح هذه السيناريوهات يأتي في وقت لم تتوقف فيه الجهود الدبلوماسية. فقد ذكرت أسوشيتد برس أن جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، أعرب قبل الانتخابات عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق عبر المفاوضات. كما يعمل وسطاء إقليميون على وضع إطار لوقف الهجمات في مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي.

في المقابل، أعلنت طهران أن إعادة فتح مضيق هرمز مرهونة برفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، وإلغاء القيود المفروضة على بيع النفط، وإقرار وقف لإطلاق النار على جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وشدد محسن رضائي أيضاً على أن المضيق لن يُفتح ما لم تُلبَّ الشروط الإيرانية. ولا تزال الخلافات بشأن ترتيب تنفيذ الالتزامات والملف النووي من أبرز العقبات أمام التوصل إلى اتفاق.

وبالتالي، تضع الانتخابات الأمريكية ترامب أمام مسارين: التوصل إلى اتفاق يمكنه تقديمه بوصفه نهاية ناجحة للحرب، أو العودة إلى عمليات عسكرية أوسع قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتفاقم الأزمة السياسية الداخلية.

نتنياهو يواجه أيضاً مأزقاً سياسياً

في غضون ذلك، لا تخلو نتائج الانتخابات الإسرائيلية من التأثير في الحسابات الإقليمية. فقد تراجع ائتلاف نتنياهو، الذي كان يمتلك 68 مقعداً في البرلمان السابق، وأصبح الآن على بُعد ثمانية مقاعد من الأغلبية. ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار هذه النتيجة نهاية للنفوذ السياسي لنتنياهو، إذ لا يزال يمتلك أكبر كتلة سياسية، ويحتفظ بقدرته على التفاوض لتشكيل الحكومة.

وفي ظل هذه الظروف، أفادت أسوشيتد برس بأن نتنياهو حث ترامب، خلال الأيام التي سبقت الانتخابات الأمريكية، على شن جولة جديدة من الهجمات على إيران. ونشرت الوكالة هذا التقرير نقلاً عن مسؤولين إقليميين اثنين ومصدر مطلع. كما ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن نتنياهو طالب باستئناف الهجمات، في حين لم يكن ترامب قد اتخذ قراره النهائي بعد، وبدا أنه يريد منح الدبلوماسية فرصة أخرى.

وتكتسب هذه التطورات المتزامنة أهمية، لأن نتنياهو يواجه صعوبات داخل إسرائيل في تشكيل الحكومة، وقد ينظر إلى مواصلة المواجهة مع إيران باعتبارها جزءاً من استراتيجيته الأمنية والسياسية. في المقابل، قد تكون لدى ترامب، بعد هزيمة الجمهوريين، دوافع أكبر لتجنب حرب طويلة ومكلفة.

الانتخابات لا تعني نهاية الحرب.. بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً

غيرت نتائج انتخابات التجديد النصفي موازين القوى السياسية في واشنطن، لكنها لا تعني انتهاء صلاحيات ترامب في السياسة الخارجية. فحتى إذا سيطر الديمقراطيون على المجلسين، يظل الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يحتاج بالضرورة إلى تفويض جديد من الكونغرس لتنفيذ أي عملية عسكرية، محدودة كانت أم واسعة. ومع ذلك، فإن سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ واحتمال فوزهم بأغلبية مجلس النواب قد يعززان الرقابة على الإدارة، ومراجعة تكاليف الحرب، وزيادة الضغوط السياسية، وتقييد بعض المبادرات التنفيذية لترامب.

أما بالنسبة إلى إيران، فلا تعني هذه التطورات ضمان خفض التوتر. فقد تدفع هزيمة الجمهوريين واشنطن نحو التوصل إلى اتفاق، لكن إذا شعر ترامب بأنه سيخرج من الحرب من دون تحقيق مكاسب ملموسة، فقد يلجأ إلى استعراض القوة العسكرية لاستعادة اعتباره السياسي.

في نهاية المطاف، لا تتوقف المسألة الحاسمة على نتائج الانتخابات الأمريكية وحدها، ولا حتى على رغبة نتنياهو، بل على حسابات ترامب بشأن كلفة استمرار الحرب ومكاسبها. فقد أظهر الناخبون الأمريكيون أنهم غير مستعدين لتحمل التكاليف الاقتصادية لهذا الصراع بلا حدود، فيما تتمسك طهران بشروطها لإنهاء الحرب، وتطالب إسرائيل بمزيد من الضغط العسكري. وفي ظل هذه الظروف، قد لا تكون الأيام التي تلي الانتخابات بداية للسلام، بل واحدة من أكثر المراحل حساسية في تحديد مسار الحرب بين إيران والولايات المتحدة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − ثلاثة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى