تصريح خطير لعلي باقري بشأن اليورانيوم المخصب.. خط أحمر إيراني يعود إلى الواجهة
أظهرت تجربة الاتفاق النووي أن إخراج هذا الرصيد من اليورانيوم المخصب من إيران، من دون الحصول على ضمانات ملموسة ومستدامة، يمكن أن يضعف موقف طهران في المراحل اللاحقة.

ميدل ايست نيوز: نفى نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أي تكهنات بشأن نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج الأراضي الإيرانية، مؤكداً أن المفاوضات الجارية لا تتناول هذا الموضوع أساساً؛ في موقف ينسجم مع تجارب طهران المكلفة في المفاوضات النووية وحساسية بنيوية لدى النظام تجاه إخراج رأس المال الاستراتيجي.
وفي تصريحات نشرتها وكالة تسنيم للأنباء، أعلن علي باقري كني، صراحة أن «المسؤولين الإيرانيين لا يعتزمون نقل اليورانيوم النووي المخصب إلى أي دولة»، مضيفاً أن «المفاوضات لا تدور أصلاً حول مثل هذا الأمر». يأتي هذا الموقف في وقت تتصاعد فيه التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية، بالتزامن مع تجدد النقاشات في الأوساط الإعلامية والتحليلية حول مصير مخزونات اليورانيوم المخصب الإيراني.
وحسب تقریر لموقع “رویداد 24” الإيراني لا تقتصر أهمية هذه التصريحات على نفي سيناريو محدد، بل تتجاوز ذلك إلى التذكير بإحدى أكثر العقد حساسية في تاريخ الملف النووي الإيراني؛ وهي العقدة التي تحولت في مراحل مختلفة إلى أحد أبرز محاور المساومة بين إيران والأطراف الغربية.
ويعود موضوع تسليم أو نقل اليورانيوم المخصب الإيراني إلى خارج البلاد إلى تاريخ طويل في المفاوضات النووية. فقد طُرحت لأول مرة مطلع عام 2000 فكرة نقل جزء من مخزونات اليورانيوم منخفض التخصيب إلى الخارج ضمن مشروع «تبادل الوقود». آنذاك، كان المقترح يقضي بأن تسلم إيران اليورانيوم المخصب بنسبة 3.5 في المئة مقابل حصولها على الوقود اللازم لمفاعل طهران البحثي، إلا أن هذا المشروع وصل في النهاية إلى طريق مسدود بسبب انعدام الثقة العميق في ضمانات الطرف المقابل والخلافات الداخلية.
وفي السنوات اللاحقة، ولا سيما خلال المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي، عاد ملف تقليص مخزونات اليورانيوم المخصب الإيراني إلى الواجهة. وبموجب الاتفاق النووي، التزمت إيران بإخراج جزء كبير من مخزوناتها من البلاد أو تخفيف نسبة التخصيب؛ وهي خطوة قُدمت حينها بوصفها إجراءً لبناء الثقة، لكنها بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 اعتُبرت، من وجهة نظر العديد من صناع القرار في طهران، تجربة مريرة وغير قابلة للتكرار.
لماذا يُعد نقل اليورانيوم «خطاً أحمر»؟
يرى حكام إيران أن اليورانيوم المخصب لا يعد مجرد مادة تقنية أو سلعة قابلة للتبادل، بل يمثل جزءاً من «قوة التفاوض» ورأس المال الاستراتيجي للبلاد في مواجهة الضغوط الدولية. وقد أظهرت تجربة الاتفاق النووي أن إخراج هذا الرصيد من البلاد، من دون الحصول على ضمانات ملموسة ومستدامة، يمكن أن يضعف موقف إيران في المراحل اللاحقة.
وفي هذا السياق، يحمل تأكيد باقري أن «المفاوضات لا تدور أصلاً حول هذا الأمر» رسالة واضحة إلى الأطراف الخارجية مفادها أن طهران ليست مستعدة للدخول مرة أخرى في لعبة تقدم فيها تنازلات غير قابلة للاسترجاع، مقابل وعود هشة مرتبطة بالقرارات السياسية للآخرين.
ويمكن فهم تصريحات نائب الشؤون السياسية في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي على أنها محاولة لإغلاق باب التكهنات وإدارة التوقعات، داخلياً وخارجياً. فعلى الصعيد الداخلي، تثير أي أنباء عن احتمال نقل اليورانيوم حساسية سياسية وأمنية سريعة، وقد تتحول إلى ذريعة لمهاجمة فريق التفاوض من قبل التيارات المنتقدة. أما على الصعيد الخارجي، فإن هذا الموقف يوجه رسالة بأن إطار المفاوضات محدد وواضح، وأن إيران لا تنوي الانخراط في مفاوضات طويلة ومستهلكة حول مبادئها الأساسية.
ويأتي تأكيد علي باقري على عدم نقل المواد النووية المخصبة في إطار خط ثابت في السياسة النووية الإيرانية؛ وهو خط أصبح أكثر تشدداً وحذراً بعد تجربة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. فقد أظهرت تجربة المفاوضات أن تسليم اليورانيوم لم يكن عاملاً دائماً لبناء الثقة، بل تحول في لحظات سياسية حساسة إلى نقطة ضعف لإيران. ومن هنا، تبدو رسالة طهران واضحة: التفاوض ممكن، لكن ليس على نقل رأس مال استراتيجي يرتبط استرجاعه بإرادة وحسن نية الأطراف الأخرى.



