الصحافة الإيرانية: “دبلوماسية الأساطيل”.. أداة ضغط مؤقتة أم عائق طويل الأمد؟
رغم أن الجمع بين تعزيز الدبلوماسية والحضور العسكري يُعد سياسة مألوفة في الاستراتيجية الأميركية، إلا أن اللجوء إلى هذا النهج في الظرف الراهن ينطوي على مخاطر عالية ويحمل في طياته تبعات متعددة.
ميدل ايست نيوز: دخلت التحركات العسكرية الأميركية في منطقة غرب آسيا مرحلة جديدة، في وقت أُعيد فيه إحياء المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن بشأن البرنامج النووي الإيراني بشكل محدود بعد حرب الـ 12 يوماً، فيما يعمل الطرفان على التمهيد لعقد الجولة الثانية من هذه المحادثات.
وأظهرت مجموعة من التقارير في وسائل الإعلام الأميركية أن البيت الأبيض، بالتوازي مع متابعة المسار الدبلوماسي، يعمل على تعزيز حضوره العسكري في المنطقة. وتحمل هذه الخطوة، التي جاءت بأوامر من دونالد ترامب، رسائل متعددة المستويات موجهة إلى طهران، وحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، وحتى الرأي العام الداخلي الأميركي.
وقال وزير الخارجية عباس عراقجي، خلال مؤتمر صحفي عُقد ظهر يوم الأحد 8 شباط/فبراير على هامش «المؤتمر الوطني الأول للسياسة الخارجية وتاريخ العلاقات الخارجية» في مركز الدراسات السياسية والدولية التابع لوزارة الخارجية، إن الولايات المتحدة تنتهج مقاربة مزدوجة تقوم على اللجوء إلى الدبلوماسية بالتزامن مع تشكيل انتشار عسكري واسع حول إيران. وأضاف: «توجد مؤشرات تدل على جدية أميركا في المفاوضات، وفي الوقت نفسه تُلاحظ مؤشرات أخرى تُضعف هذه الجدية. إن استمرار بعض العقوبات وبعض التحركات في المجال العسكري يثير بطبيعة الحال تساؤلات حول مستوى الجدية والاستعداد لدى الطرف المقابل. سنرصد ونقيّم جميع هذه المؤشرات معاً، وبناءً على هذه الخلاصة سنتخذ قرارنا بشأن مواصلة مسار المفاوضات».
وتعود جذور فكرة «السلام عبر القوة» Peace Through Strength، التي يكررها ترامب كثيراً، إلى أدبيات المحافظين الأميركيين، ولا سيما إلى مرحلة الرئيس رونالد ريغان. ويقوم منطق هذه الفكرة على معادلة بسيطة مفادها أن امتلاك قدر كافٍ من القوة يجعل الطرف المقابل يخشى كلفة المواجهة، ما يقلل من احتمالات الحرب ويعزز أوراق التفاوض. ويتقاطع هذا المفهوم مع نظرية الردع الكلاسيكية التي تقوم على إظهار القوة لمنع الاضطرار إلى استخدامها فعلياً.
رسائل حاملات الطائرات إلى طاولة التفاوض؛ تهديد أم تعزيز؟
وقالت وكالة إرنا الإيرانية، إنه رغم أن الجمع بين تعزيز الدبلوماسية والحضور العسكري يُعد سياسة مألوفة في الاستراتيجية الأميركية، إلا أن اللجوء إلى هذا النهج في الظرف الراهن، بحسب خبراء، ينطوي على مخاطر عالية ويحمل في طياته تبعات متعددة.
أولاً، يرفع تصاعد مستوى الوجود العسكري، ولا سيما نشر حاملتي طائرات، من احتمالات الخطأ في الحسابات. ففي أجواء يسودها انعدام عميق للثقة بين الطرفين، يمكن لأي حادث أن يطلق سلسلة من الأفعال وردود الأفعال المتبادلة.
ثانياً، يبعث هذا التحرك برسالة مزدوجة إلى مسار المفاوضات. فمن جهة، تسعى واشنطن عبر استعراض القوة إلى دفع طهران نحو مزيد من المرونة. ومن جهة أخرى، قد يؤدي هذا الاستعراض نفسه داخل إيران إلى تعزيز الرؤى المتشائمة تجاه التفاوض، ما يزيد من تعقيد بيئة اتخاذ القرار.
ثالثاً، ينطوي التركيز المتزامن على التهديد العسكري وفرض مهلة زمنية للتوصل إلى اتفاق على مخاطر سياسية كبيرة. ففي حال فشل المفاوضات، سيكون من الصعب على البيت الأبيض التراجع عن خطاب التهديد، كما أن الانتقال إلى الخيار العسكري سيترتب عليه تداعيات إقليمية واسعة، من تهديد أمن الطاقة إلى زعزعة استقرار الشركاء العرب للولايات المتحدة.
وفي ظل استمرار تبادل الرسائل بين إيران والولايات المتحدة بشأن عقد الجولة الثانية من المفاوضات، وفي ظل ضغوط تمارسها لوبيات مختلفة لدفع ترامب إلى الخروج من مسار التفاوض، تبرز حالة الغموض بوصفها السمة الأبرز للمرحلة الراهنة. وينعكس هذا الغموض أيضاً في صعوبة التنبؤ بالنتائج الاستراتيجية المزدوجة التي يعتمدها ترامب حيال إيران.
وفي الوقت الذي يصف فيه بعض الخبراء هذه الاستراتيجية بـ«الردع الذكي»، أي بمعنى «أظهر قوتك من دون أن تستخدمها»، يرى طيف آخر من المحللين أن خطر «سوء التقدير» الكامن في هذا النهج أكثر جدية. ويتركز السؤال الجوهري هنا حول ما إذا كانت هذه القوة تُستخدم فعلاً لمنع الحرب، أم أنها تنطوي في جوهرها على خصائص ترفع من احتمالات المواجهة.
وقد تكون «دبلوماسية الأساطيل» أداة ضغط على المدى القصير، لكنها قد تتحول على المدى الطويل إلى عقبة أمام الحوار. ومن زاوية الفكرة المفضلة لدى ترامب، فإن «التفاوض المتزامن مع الانتشار العسكري» ينسجم حرفياً مع مفهوم «السلام عبر القوة»، إذ يفترض أن تكون القوة ملموسة ليكتسب السلام معنى. إلا أن التطبيق العملي لهذه السياسة يشبه السير على حد السكين؛ فإذا شعر الطرف المقابل بالخوف قد يقدم تنازلات، أما إذا أحس بتهديد وجودي فقد يتجه إلى تشديد مواقفه.
وفي هذا الإطار، فإن ما يجري حالياً في مياه المنطقة لا يقتصر على تحريك حاملة طائرات أو اثنتين، بل يحمل في طياته قدرة حقيقية على حرف المسار الهش للحوار بين إيران والولايات المتحدة نحو مواجهة مقصودة أو حتى غير مقصودة.



