العراق بعد 10 أيام حرب.. اقتصاد على الحافة وطمأنة مؤقتة بتدفق الرواتب
بعد 10 أيام على اندلاع الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران، يقف العراق أمام اختبار اقتصادي معقد، حيث تتزايد المخاوف من التداعيات على بلد يعتمد كلياً على النفط.

ميدل ايست نيوز: بعد 10 أيام على اندلاع الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران، يقف العراق أمام اختبار اقتصادي معقد، حيث تتزايد المخاوف من التداعيات على بلد يعتمد كلياً على النفط، وسط تحذيرات من توقف الصادرات وتعطل سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار.
وبرغم استمرار تدفق بعض العائدات النفطية مؤقتاً بسبب آليات التسعير المؤجل، إلا أن خبراء يؤكدون أن هذا الهامش الزمني لن يدوم طويلاً إذا استمرت الحرب، محذرين من أزمة مالية وغذائية محتملة في ظل اضطراب الإقليم، فيما يطمئن مستشار حكومي الرأي العام بتأمين الرواتب في المدى القريب.
ويقول الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، إن “الحرب المشتعلة حالياً في المنطقة تفرض ضغوطاً كبيرة على الاقتصاد العراقي، في ظل مخاطر جيو-اقتصادية مركبة قد تضرب عمق المنظومة الاقتصادية في البلاد، خصوصاً مع اعتماد العراق شبه الكامل على عائدات النفط”.
ويوضح الهاشمي، أن “أي توقف في إنتاج النفط أو تعطّل في تصديره سيؤدي إلى خلل مباشر في سلسلة توليد العملة الصعبة التي تعتمد عليها المالية العامة للدولة”، مبيناً أن عائدات النفط تمثل المصدر الأساس لتمويل النفقات الحكومية، بما فيها الرواتب والمستحقات التشغيلية”.
هامش زمني مؤقت
ويشير إلى أن “تأثيرات الأزمة قد لا تظهر بشكل فوري، لأن الدفعات المالية التي تصل حالياً إلى حسابات الحكومة العراقية لدى الاحتياطي الفدرالي الأمريكي تعود إلى شحنات نفطية جرى تصديرها قبل تفاقم أزمة الملاحة في مضيق هرمز. ووفق هذا الإطار، فإن الحكومة ما تزال تمتلك هامشاً زمنياً يتراوح بين أربعة إلى ستة أسابيع من استمرار تدفق الإيرادات الدولارية”.
وخلال هذه الفترة، يرى الخبير الاقتصادي، أن “الحكومة ستكون قادرة على تلبية الالتزامات الأساسية، بما يشمل الرواتب والتقاعد والإعانات والنفقات التشغيلية الأخرى”. لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن “استمرار الحرب لفترة أطول قد يضع العراق أمام تحدٍ مالي حقيقي”.
ويضيف الهاشمي، أن “توقف تدفق الإيرادات النفطية سيحرم الدولة من مواردها الدولارية الأساسية، ما سيدفع الحكومة إلى البحث عن بدائل مالية لسد العجز المحتمل. وفي مثل هذا السيناريو، قد تلجأ السلطات إلى أدوات تمويل مختلفة، من بينها الاقتراض الداخلي أو الخارجي، إلى جانب إمكانية السحب الجزئي من الاحتياطيات الدولارية لدى البنك المركزي العراقي”.
كما قد تعتمد الحكومة، بحسب الهاشمي، على “إصدار سندات خزانة أو أدوات دين أخرى، في إطار دور غير مباشر للبنك المركزي في دعم العمليات المالية الحكومية والحفاظ على استقرار الدورة الاقتصادية”.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة للحرب على قطاع النفط فحسب، إذ يشير الهاشمي إلى أن “تعطل سلاسل الإمداد يمثل تحدياً إضافياً للاقتصاد العراقي. فاضطراب حركة الملاحة أو النقل البحري قد يؤثر على تدفق البضائع إلى الموانئ العراقية، لاسيما عبر ميناء خور الزبير، ما قد يؤدي إلى نقص في المعروض السلعي داخل الأسواق المحلية”، محذرا من أن هذا “النقص قد ينعكس على أسعار السلع، مع احتمال حدوث موجة ارتفاع في الأسعار نتيجة تراجع المعروض مقابل الطلب المحلي”.
ومع ذلك، يلفت الهاشمي إلى أن “السوق العراقية قد تلجأ إلى بدائل مؤقتة لتأمين احتياجاتها، من خلال تفعيل سلاسل توريد إقليمية عبر المنافذ البرية، سواء من تركيا أو الأردن، إضافة إلى إمكانية الاستيراد عبر السعودية والكويت”، مؤكدا أن “هذه المسارات قد تشكل حلولاً طارئة لدعم تدفق السلع الأساسية والضرورية إلى الأسواق العراقية، ريثما تستقر الأوضاع الإقليمية وتعود حركة التجارة إلى طبيعتها”.
وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد بدأتا، السبت (28 شباط فبراير) ، شن غارات على أهداف في أنحاء إيران، ما دفع طهران إلى تنفيذ ضربات انتقامية استهدفت المصالح الأمريكية في عدد من دول الخليج، بينها السعودية والإمارات والكويت وسلطنة عمان والبحرين.
وأعلن الحرس الثوري الإيراني، ثاني أيام الحرب، إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، محذراً من أن السفن التي تحاول عبوره ستتعرض للهجوم. وفي ظل استمرار الأزمة الخطيرة في هذا الممر المائي.
وتتزايد مخاوف العراقيين من تداعيات اقتصادية وسياسية حادة، إذ يعتمد نحو 45 مليون عراقي على عائدات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز الذي يعد ممراً حيوياً لتصدير نفط الخليج. ويعتمد العراق بنسبة 95 بالمئة على صادراته النفطية الجنوبية التي تمر عبر هذا المضيق، الأمر الذي أدى إغلاقه إلى توقف شبه كامل للصادرات وتهديد الاستقرار المالي للبلاد.
جدل الرواتب
من جهته، يطمئن المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، بوجود “إمكانية واقعية لتأمين صرف رواتب شهري آذار ونيسان بسلاسة نسبية، استناداً إلى طبيعة آليات تصدير النفط المعتمدة ونظام التسعير المؤجل الذي يمتد عادة لنحو ستين يوماً”.
ويوضح صالح، أن “هذه المهلة الزمنية في تسعير الشحنات النفطية تمنح المالية العامة قدراً من المرونة، يتيح امتصاص الصدمات الآنية وتوفير سيولة مرحلية تساعد على إدارة الالتزامات الأساسية للدولة، وفي مقدمتها رواتب الموظفين والمعاشات التقاعدية”.
ويضيف أنه “في حال استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، فإن ذلك قد يفتح نافذة إضافية لتعزيز الإيرادات النفطية. وقد يسهم هذا السيناريو في إعادة تفعيل مسار التصدير عبر الخط العراقي- التركي، إلى جانب استخدام النقل بالصهاريج كمسار تكميلي لتصريف جزء من الإنتاج، بما يمنح العراق مرونة لوجستية أكبر في إدارة تدفقات النفط”.
اللاعب الصيني
ويشير صالح، إلى أن “الصين تبقى لاعباً استراتيجياً في سوق الطاقة العالمي، إذ تعد الزبون الأول للنفط العراقي”، مبيناً أن “قدرة بكين على تمرير ما يقارب مليون برميل يومياً أو أكثر عبر مضيق هرمز باستخدام أسطولها النفطي تمثل فرصة مهمة للحفاظ على تدفقات الصادرات العراقية حتى في ظل بيئة إقليمية مضطربة”.
ويؤكد المستشار الحكومي، أن “السياسة النفطية لا تعمل بمعزل عن بقية عناصر الاقتصاد، بل تتحرك ضمن ما وصفه بـ”العقل الجيو-اقتصادي” الذي يربط بين الجغرافيا والطاقة والأسواق. وعند تكامل هذه السياسة مع السياسة المالية، يتشكل تلازم فعّال بين أدوات الاقتصاد المختلفة، بما يمكّن الدولة من إدارة مواردها والحفاظ على استقرارها المالي حتى في الفترات الأكثر تعقيداً”.
وأكد البنك المركزي العراقي، أمس الأول الأحد، أن احتياطياته الأجنبية تغطي واردات العراق لمدة 12 شهراً، فيما لفت إلى مناقشة عدد من البدائل لضمان تأمين الرواتب والنفقات الأساسية خلال الأشهر المقبلة، وذلك خلال جلسة استثنائية عقدها لمتابعة التطورات الاقتصادية والمالية الراهنة، ومراجعة أبرز مؤشرات الاقتصاد الكلي، وتقييم التوقعات المستقبلية في ضوء المستجدات المحلية والدولية وما قد تفرضه من تحديات أو فرص أمام الاقتصاد الوطني، بحسب ما أورد في بيانه.
إلى ذلك، يوضح الخبير الاقتصادي نبيل جبار، من “أبرز مظاهر الأزمة المحتملة إغلاق المنافذ البحرية التي يعتمد عليها العراق بشكل أساسي في تصدير النفط واستيراد السلع، لأن معظم الواردات العراقية تصل عبر البحر”.
استيراد صعب
ويضيف جبار، أن “أي اضطراب في حركة الملاحة، سيؤثر بشكل كبير على العراق ودول الخليج، وقد يقود إلى نقص حاد في الإمدادات الغذائية والسلع الأساسية خلال الفترة المقبلة”، لافتا إلى أن “مواجهة هذه التحديات تتطلب من الحكومة اتخاذ إجراءات سريعة لتسهيل الاستيراد عبر المنافذ البرية، خصوصاً من تركيا والأردن، إلى جانب تعليق العمل ببعض الإجراءات الجمركية المعقدة مثل نظام “الاسيكودا”، بما يتيح تسريع دخول البضائع وتقليل مخاطر حدوث اختناقات في عمليات الاستيراد”.
وبشأن توفر العملة الصعبة، يتابع أن “الأزمة لا تقتصر على توفر الدولار لدى الحكومة، إذ أن صعوبة الاستيراد بالنسبة للتجار قد تجعل العملة الصعبة بلا فائدة عملية، في حال تعذر إدخال البضائع إلى البلاد”. وبيّن أن “هذا الوضع قد يؤدي أيضاً إلى تراجع ضخ الدينار العراقي في السوق من قبل التجار، الأمر الذي سيؤثر في مستويات السيولة المتاحة داخل الاقتصاد”.
ويكمل الخبير الاقتصادي، أن “توقف هذه الدورة المالية، حتى وإن كانت تعاني أصلاً من شح نسبي، قد يجعل الأزمة أكثر تعقيداً وتركيباً، ما يستدعي من البنك المركزي اتباع سياسات مالية مرنة تضمن توفير احتياطيات كافية من الدينار العراقي لدعم الحكومة وتمكينها من تلبية التزاماتها، وفي مقدمتها دفع رواتب الموظفين وتمويل النفقات الأساسية.”
ويحذر جبار من أن “استمرار الحرب لفترة طويلة قد يفتح الباب أمام أزمات متعددة، لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى الجوانب الأمنية والغذائية”، مؤكداً أن “التحدي الأكبر يتمثل في ضمان الأمن الغذائي والسلعي والدوائي، وتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان في ظل اضطرابات محتملة في التجارة وسلاسل الإمداد”.
أزمة معقدة
وفي الشأن النفطي، يجد من جهته، خبير النفط كوفند شيرواني، إن “استمرار إغلاق مضيق هرمز يضع العراق أمام تحدٍ اقتصادي خطير، خاصة مع توقف أو تقليص عمليات الإنتاج في عدد من الحقول النفطية الكبرى”.
ويوضح شيرواني، أن “العراق أوقف العمل مؤقتاً في حقلين من أكبر حقوله النفطية، هما حقل الرميلة وحقل غرب القرنة”، مرجحاً أن “يشمل تقليص الإنتاج حقولاً أخرى في حال استمرار توقف التصدير عبر الخليج العربي ومضيق هرمز”.
ويبيّن أن “العراق كان يصدر عبر هذا المسار نحو 3.3 مليون برميل يومياً، بعائدات تقدر بنحو 230 مليون دولار يومياً، أي ما يقارب سبعة مليارات دولار شهرياً، وهو ما يمثل العمود الفقري للإيرادات العامة للدولة”، مشيرا إلى أن “هذا السيناريو يمثل الأسوأ ليس للعراق فحسب، بل لدول الخليج النفطية أيضاً، خصوصاً تلك التي لا تمتلك مسارات بديلة كافية لتصدير نفطها في حال تعطلت حركة الملاحة في المضيق”.
ويضيف أن “البديل الوحيد المتاح حالياً أمام العراق يتمثل في خط التصدير عبر ميناء جيهان التركي، إلا أن طاقته محدودة ولا تتجاوز نحو 200 ألف برميل يومياً، وهو ما يعادل قرابة 6 بالمئة فقط من إجمالي الإيرادات النفطية التي يعتمد عليها الاقتصاد العراقي”.
ويؤكد الخبير في شؤون الطاقة، أن “استمرار هذا الوضع سيضع العراق في مواجهة أزمة مالية معقدة، نظراً لأن أكثر من 90 بالمئة من إيرادات الموازنة العامة تعتمد على النفط، ما يستدعي من الحكومة اتخاذ قرارات سريعة وجريئة للتعامل مع تداعيات هذا السيناريو الصعب”.
وأعلنت وزارة النفط في الثالث من آذار مارس الجاري، تقليص إنتاج النفط الخام في الحقول الجنوبية بمحافظة البصرة التي تشكل نحو 80 بالمئة من إنتاج البلاد.وأفاد مسؤولون عراقيون لوكالة “رويترز” بأن العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة البلدان المصدرة للبترول أوبك، قد يضطر إلى خفض إنتاجه بأكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً خلال أيام قليلة إذا لم تتمكن ناقلات النفط من الوصول بحرية إلى نقاط التحميل.



