الصحافة الإيرانية: مضيق هرمز.. بين الامتياز الجيوسياسي وخطر الاستنزاف
كما أدى تجاوز إيران عبر ممرات التجارة وخطوط أنابيب نقل الطاقة خلال العقود الماضية إلى إضعاف موقعها الجيوسياسي، فإن سياسة غير مدروسة حيال مضيق هرمز قد تعمل اليوم على تفريغ القدرات الجيوسياسية لهذا الممر الحيوي على نحو يضر بإيران.

ميدل ايست نيوز: لطالما قيل بحق إن إيران، بحكم موقعها الجغرافي، تتمتع بأكبر قدر من الامتيازات وتواجه أقل قدر من المآزق. وخلال الحرب الأخيرة، أظهر مضيق هرمز بأوضح صورة أحد أبرز عناصر القوة الجغرافية لإيران. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت هذه الجغرافيا المميزة، إذا ما اقترنت بسياسة خارجية سليمة، ستؤدي إلى تعزيز الموقع الجيوسياسي للبلاد، أم أن سياسة خاطئة ستغلب فتضع هذا الامتياز على مسار الاستنزاف.
يقول كوروش أحمدي، وهو دبلوماسي إيراني سابق، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، نحن نقف من هذه الزاوية عند منعطف تاريخي. فكما أدى تجاوز إيران عبر ممرات التجارة وخطوط أنابيب نقل الطاقة خلال العقود الماضية إلى إضعاف موقعها الجيوسياسي، فإن سياسة غير مدروسة حيال مضيق هرمز قد تعمل اليوم على تفريغ القدرات الجيوسياسية لهذا الممر الحيوي على نحو يضر بإيران. ولا شك أن إيران، حين تعرضت لعدوان، كان من حقها في إطار الدفاع المشروع ووفق قوانين النزاعات المسلحة في البحار، أن تتخذ ما تراه مناسباً من ترتيبات في مضيق هرمز. غير أن التركيز هنا ينصب على وضع المضيق في زمن السلم. وتكتسب هذه المسألة أهميتها اليوم في ظل عمل البرلمان على إعداد قانون دائم لتنظيم ممارسة إدارة إيران على المضيق، وفي وقت أصبح فيه مضيق هرمز عملياً أحد الملفين الرئيسيين في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. وأي قرارات خاطئة في هذه المرحلة قد تورط البلاد لسنوات في أزمات وخسائر جسيمة.
يُعد مضيق هرمز، بصفته ممراً مائياً طبيعياً، واحداً من بين 15 مضيقاً استراتيجياً أو حيوياً خضع دوماً لاهتمام الأطر القانونية الدولية. وقد أرست اتفاقية قانون البحار لعام 1982 نظام “حق العبور العابر” للمضائق الطبيعية. وصادقت نحو 170 دولة، بينها ست من أصل ثماني دول مطلة على الخليج، على هذه الاتفاقية، فيما وقعت كل من إيران والولايات المتحدة والإمارات عليها دون أن تصادق عليها. أما اتفاقية عام 1958 السابقة فلم تنص على نظام خاص بالمضائق، وافترضت إمكانية تطبيق “حق المرور البريء” في المياه الإقليمية للدول داخل المضائق. ونظراً لامتلاك الدول الساحلية حق تعليق مرور السفن الأجنبية مؤقتاً في مياهها الإقليمية، نصت المادة 16 من اتفاقية 1958 على أن حق المرور في المضائق “غير قابل للتعليق”. واستناداً إلى أحكام الاتفاقيتين وبعض قرارات محكمة العدل الدولية ولجنة القانون الدولي، يعتبر معظم فقهاء القانون أن المرور “غير القابل للتعليق” في الظروف العادية أصبح قاعدة عرفية في القانون الدولي.
إيران، التي لم تصادق على اتفاقية 1958، لم تعترف كذلك بنظام “العبور العابر” المنصوص عليه في اتفاقية 1982 بشأن المضائق. وفي قانون المناطق البحرية الصادر عام 1993، اعتمدت إيران “حق المرور البريء” أساساً لمياهها الإقليمية، من دون أن تنص على “عدم قابلية التعليق” داخل الجزء الواقع من مضيق هرمز ضمن مياهها. وبالنظر إلى حساسية المناطق البحرية الإيرانية في المضيق ومكانة إيران كأقوى دولة في المنطقة، فإن هذا الموقف القانوني قبل الثورة وبعدها يُعد مفهوماً ومبرراً.
ومع ذلك، يتعين على المسؤولين الإيرانيين، عند اتخاذ قرارات بشأن مستقبل مضيق هرمز، أن يضعوا في الاعتبار أن المضيق مشترك بين إيران وسلطنة عمان. فمع أن لإيران الحق في تطبيق النظام القانوني الذي تراه مناسباً ضمن مياهها الإقليمية داخل المضيق، فإن اتخاذ قرارات تخص المضيق بأكمله دون موافقة عمان أمر غير ممكن، لا سيما أن خطوط فصل حركة الملاحة الرسمية التي تحددها المنظمة البحرية الدولية وبموافقة الدول المعنية تقع جنوب خط المنتصف، أي ضمن المياه الإقليمية العمانية. ويعود ذلك إلى أن عمق المياه داخل المضيق يتركز في الجانب العماني، فيما تميل خطوط العمق وخطوط الملاحة خارج المضيق، بمحاذاة جزر طنب وفارور، نحو السواحل الإيرانية.
ومن القضايا المثيرة للجدل حالياً مسألة فرض “رسوم عبور”، إذ تحدث بعضهم عن إيرادات باهظة تصل إلى 800 مليار دولار سنوياً لإيران، رغم أن إجمالي تجارة الدول العربية الخليجية لا يتجاوز 1600 مليار دولار. وحتى إذا احتُسب دولار واحد عن كل برميل نفط يمر عبر المضيق، فإن العائد الأقصى لن يتجاوز سبعة مليارات دولار سنوياً، نصفها من نصيب عمان. وبوجه عام، فإن القواعد العرفية والاتفاقيات الدولية، بما فيها اتفاقية 1982 التي تعد عمان طرفاً فيها، ترفض فرض رسوم عبور في المضائق الطبيعية. وقد أعلن وزير النقل العماني، عقب لقائه نائب وزير الخارجية الإيراني، معارضة بلاده لفرض مثل هذه الرسوم. ويمكن للدول المطالبة بمبالغ مقابل خدمات أو استرداد تكاليف، شريطة أن تكون الخدمات مطلوبة وأن تكون التكاليف ضرورية ومبررة.
إن إنشاء نظام قانوني جديد لمضيق هرمز لا يمكن أن يتم إلا عبر تفاهم مع الدول الأخرى. أما الإجراءات الأحادية، بما في ذلك فرض رسوم عبور، فلن تُفرض إلا بالقوة، وستؤدي إلى أضرار تفوق بكثير أي عائد مفترض، من بينها توترات عسكرية وأمنية دائمة، وعقوبات محتملة من مجلس الأمن، واضطراب العلاقات مع دول صديقة مثل الصين ومع معظم مناطق العالم، وارتفاع تكاليف التأمين على السفن المتجهة إلى إيران، وزيادة النفقات التشغيلية، وسعي الدول إلى إيجاد مسارات بديلة.
وتقتضي المصالح العليا بعيدة المدى لإيران التأكيد على حرية الملاحة في مضيق هرمز، وإعلان المضيق “مضيق سلام”، مع تأكيد دور إيران في حماية أمن الملاحة الدولية الحرة فيه. إن مضيق هرمز ميزة منحتها الجغرافيا والجيوسياسة لإيران، وليس اكتشافاً جديداً، وقد كانت طهران على الدوام مدركة لأهميته. وخلال العدوان الأخير، شاهد العالم بوضوح مدى قدرة إيران على توظيف المضيق كورقة ضغط في ظروف الحرب. فجغرافيا إيران، بما فيها مضيق هرمز، تشكل عامل ردع حقيقياً وقوياً، بخلاف بعض أشكال الردع الوهمية. ويُعد اتفاق مارس 1974 بين إيران وعمان بشأن “الدفاع المشترك عن أمن مضيق هرمز والإشراف على الملاحة فيه”، والذي وضع إيران عملياً في موقع حارس أمن هذا الممر الحيوي، نموذجاً لتجربة ناجحة في هذا المجال.



