آفاق غامضة للسلام

تظل إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين إيران والولايات المتحدة محوراً أساسياً في ظل مشهد إقليمي يتسم بتدهور هيكلي عميق. غير أن هذه الإمكانية تواجه اختباراً قاسياً بفعل التحولات الميدانية والسياسية المتسارعة.

ميدل ايست نيوز: تظل إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين إيران والولايات المتحدة محوراً أساسياً في ظل مشهد إقليمي يتسم بتدهور هيكلي عميق. غير أن هذه الإمكانية تواجه اختباراً قاسياً بفعل التحولات الميدانية والسياسية المتسارعة.

إمكانية الاتفاق تحت ضغط الوقائع الميدانية

وحسب مقال بموقع “ميدل ايست مونيتور” أفادت به موقع “ميرو” شهد المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران محطات توقف متكررة، رغم استمرار التوترات المتقطعة في المنطقة. ولا يزال الحديث عن سلام دائم محفوفاً بالغموض والتعقيد. إلا أن الثابت هو أن ميزان القوى على الأرض تغير بصورة جذرية. فإيران الجالسة على طاولة المفاوضات في إسلام آباد لم تعد كما كانت قبل سنوات. وبعد أكثر من 13 ألف ضربة أميركية وإسرائيلية، تعرضت بنيتها الدفاعية والصناعية إلى تآكل هيكلي واسع.

تدهور الأصول الدفاعية

تشير تقديرات متداولة إلى تدمير أكثر من ثلثي منشآت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة في إيران. كما تكبدت البحرية الإيرانية خسائر جسيمة، مع تقارير عن غرق نحو 150 قطعة بحرية، ما دفع طهران إلى الاعتماد بصورة أكبر على أساليب غير متكافئة، مثل الألغام البحرية والعمليات بالطائرات المسيّرة. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد الدبلوماسية خياراً تكتيكياً فحسب، بل تحولت إلى أداة ضرورية لتفادي مزيد من الاستنزاف.

مضيق هرمز بين الحصار والتصعيد

بلغ التصعيد مستوى جديداً في مايو 2026 مع إطلاق الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبادرة «مشروع الحرية» لكسر الحصار المفروض فعلياً على مضيق هرمز. ووصفت واشنطن العملية بأنها ذات طابع إنساني يهدف إلى إنقاذ سفن عالقة، فيما ردت طهران بسرعة وبحدة.

سعت إيران، عبر استهداف الإمارات، إلى استثمار التباينات الخليجية ومعاقبة أبوظبي على تنسيقها الأمني مع إسرائيل. كما حملت الرسالة بُعداً أوسع مفاده أن إعادة فتح المضيق لن تتم من دون موافقة إيرانية، بغض النظر عن خطاب «حرية الملاحة» الذي تطرحه واشنطن.

انعطافة تفاوضية في إسلام آباد

بعد أيام من إعلان المبادرة، أعلن ترامب تعليقها متحدثاً عن «تقدم كبير» في المفاوضات، في تحول عكس رغبته في الجمع بين الضغط العسكري والسعي إلى صفقة سياسية. وجاء القرار، وفق تقارير، عقب وساطة باكستانية أشارت إلى إبداء طهران مرونة جديدة، تمثلت في تخفيف شرطها السابق برفع الحصار البحري قبل بدء التفاوض. واتجه الطرفان نحو مسارات متوازية تشمل مناقشات حول هرمز مقابل تخفيف اقتصادي تدريجي.

البعد الدولي والتحرك نحو بكين

في خضم الجمود، توجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين في خطوة هدفت إلى تنويع خيارات طهران. دعت الصين إلى وقف شامل لإطلاق النار، وأكدت حق إيران في الطاقة النووية السلمية، مع التشديد على ضرورة استعادة الملاحة الآمنة في هرمز. بالنسبة لبكين، يرتبط استقرار غرب آسيا بأمنها الطاقي، فيما ترى طهران في الصين داعماً قادراً على إضفاء غطاء دولي على أي اتفاق محتمل.

لبنان ومتغيرات التعقيد

تزامنت هذه التطورات مع تصعيد إسرائيلي في لبنان ضمن عملية عسكرية ضد حزب الله، في مؤشر إلى انفصال المسار الإسرائيلي عن التفاهمات الأميركية الإيرانية. وأدى القصف إلى دمار واسع ونزوح أكثر من مليون شخص، ما أضاف عاملاً مهدداً للمفاوضات.

في الوقت ذاته، يجري بحث مذكرة تفاهم من صفحة واحدة تتضمن 14 بنداً، تسعى إلى تضييق الفجوة بين مقترح أميركي من 15 نقطة ومقترح إيراني من 10 نقاط يشمل مطالب بتعويضات. ومن أبرز النقاط المطروحة تجميد تخصيب اليورانيوم لفترة بين 12 و15 عاماً، إضافة إلى نقل جزء من المخزون الإيراني إلى الخارج كضمان أمني.

فرص مرتفعة وهشاشة عميقة

تبدو فرص إعادة فتح مضيق هرمز مرتفعة نسبياً بفعل الحاجة المشتركة إلى استقرار أسواق النفط، التي تجاوز سعر البرميل فيها 100 دولار. غير أن الملف النووي يظل العقبة الأكثر تعقيداً. ففي طهران، ترى تيارات متشددة أن القدرة النووية تمثل ضمانة استراتيجية، فيما يضغط متشددون في واشنطن ضد أي تخفيف مبكر للعقوبات.

ترتيب مؤقت أم تحول دائم؟

يرجح أن تسفر مفاوضات إسلام آباد عن صيغة «صراع مجمد»، تتوقف بموجبها المواجهة المباشرة في هرمز مقابل رفع تدريجي للحصار، مع استمرار التوترات بالوكالة في لبنان وسوريا. وقد يوفر ذلك مكسباً سياسياً لترامب قبل الانتخابات النصفية، كما يمنح القيادة الإيرانية متنفساً اقتصادياً.

مع ذلك، يبقى السلام الشامل بعيداً في ظل تراكم آثار المواجهة الأخيرة. وتكشف التطورات أن القوة العسكرية، في غياب تسوية سياسية، لا تفضي إلا إلى اضطراب اقتصادي أوسع. وهكذا تحولت إسلام آباد إلى ساحة اختبار لإمكانية تعايش قوتين منهكتين، فيما يظل مستقبل أي اتفاق مرهوناً بمدى قدرة العواصم المعنية على ترجمة التفاهمات إلى التزامات مستدامة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
MERO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر + خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى