الصحافة الإيرانية: انقسام خليجي بين احتواء التوتر والانزلاق إلى استقطاب جديد

أدت شتى التباينات إلى تعميق الانقسام الاستراتيجي داخل مجلس التعاون. ففي حين تتجه الإمارات والبحرين نحو محور أمني مع إسرائيل، تفضل دول أخرى تجنب تحويل الخليج إلى ساحة مواجهة دائمة.

ميدل ايست نيوز: أدخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران معادلات الأمن في الخليج مرحلة جديدة. ففي وقت تسعى فيه العديد من الحكومات العربية في المنطقة إلى احتواء التوتر واستعادة الاستقرار، اختارت الإمارات والبحرين مسار التحالف مع إسرائيل ومواجهة إيران.

وحسب تقرير لموقع “اقتصاد أونلاين” الإيراني، لم تنته الحرب بعد، لكن تداعياتها الإقليمية والدولية بدأت تتكشف. فقد ظهرت الانقسامات الكامنة داخل مجلس التعاون الخليجي إلى العلن، وبخلاف السعودية وقطر وعُمان التي تحاول منع اتساع رقعة عدم الاستقرار، تمضي الإمارات والبحرين عملياً نحو تقارب أمني مع إسرائيل. ولم يعد هذا التقارب مقتصراً على التطبيع الدبلوماسي، بل امتد إلى مجالات استخباراتية وعسكرية واستراتيجية.

وذكرت القناة 12 الإسرائيلية في تقرير أن الإمارات لم تعد تسعى إلى إخفاء هذا المسار، بل اختارت عن وعي تعميق وتوسيع تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل.

ويبدو أن أبوظبي والمنامة باتتا تعرّفان أمنهما بشكل أوثق من خلال الارتباط بإسرائيل، ولا سيما في ظل سعي واشنطن إلى احتواء الأزمة وتفادي الانجرار إلى حرب استنزاف أوسع.

انقسام بين العرب

قبل اندلاع الحرب، حذرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أن أي هجوم سيؤدي إلى حرب إقليمية، وهو ما تحقق فعلياً. وتحولت المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى اختبار جديد لاستراتيجيات الأمن لدى دول الخليج العربية.

وأثارت الهجمات المتبادلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة مخاوف أمنية متزايدة في المنطقة، وأعادت طرح تساؤلات جدية بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها العرب.

على مدى عقود، بنت دول مجلس التعاون أمنها على المظلة العسكرية الأميركية، فاستضافت قواعد عسكرية واشترت كميات كبيرة من الأسلحة الأميركية. غير أن الحرب الأخيرة عززت الانطباع بأن واشنطن لم تعد راغبة في خوض مواجهة واسعة ومكلفة في المنطقة، ما دفع بعض الدول العربية إلى تنويع شركائها الأمنيين.

وبرزت الإمارات أكثر من غيرها في التقارب مع إسرائيل. فقد أشارت تقارير إلى نشر منظومة دفاع جوي إسرائيلية على الأراضي الإماراتية خلال الحرب، في خطوة عكست انتقال العلاقة من مستوى التعاون السياسي إلى مستوى الشراكة العملياتية. وللمرة الأولى فعّلت إسرائيل جزءاً من بنيتها الدفاعية في دولة عربية، في تطور كان يصعب تصوره قبل سنوات قليلة.

لماذا دخلت الإمارات في مواجهة مع إيران؟

تعرضت الإمارات خلال الحرب الأخيرة لمئات الصواريخ والطائرات المسيّرة من جانب إيران. وسرعان ما انضمت إلى التحالف الأميركي–الإسرائيلي في مواجهة طهران، مع ورود تقارير غير مؤكدة عن مشاركة مقاتلات إماراتية في الهجوم على إيران.

ولا يقتصر التوتر بين طهران وأبوظبي على الخلاف حول الجزر الثلاث، بل يرتبط أيضاً بتباين الرؤى بشأن شكل النظام الإقليمي. يقول المحلل الإقليمي هادي برهاني إن القيادة الإماراتية، منذ ما بعد الربيع العربي، تبنت مشروعاً سياسياً يقوم على احتواء التيارات الإسلامية وتعزيز نموذج دولة قومية مركزية.

وترى أبوظبي أن الشبكات الإسلامية السياسية، من جماعة الإخوان المسلمين إلى القوى القريبة من إيران، تمثل تهديداً لبنية الحكم التقليدية في العالم العربي. لذلك وقفت الإمارات في أزمات إقليمية عدة، من مصر وليبيا إلى اليمن والسودان، إلى جانب القوى المناهضة للإسلاميين. وأدى هذا التوجه تدريجياً إلى تقاربها مع إسرائيل، التي تضع بدورها احتواء الجماعات الإسلامية والحد من النفوذ الإقليمي الإيراني في صلب استراتيجيتها الأمنية.

ولا يقوم التقارب بين الإمارات وإسرائيل على القلق المشترك من إيران فحسب، بل على رؤية متقاربة للنظام الإقليمي تقوم على إضعاف الفاعلين غير الحكوميين والتيارات الأيديولوجية، وبناء محاور أمنية جديدة قائمة على التعاون الاستخباراتي والاقتصادي.

تجاوز الولايات المتحدة والاقتراب من إسرائيل

أحد أبرز تداعيات الحرب كان تغير موقع إسرائيل في الحسابات الأمنية لبعض الدول العربية. فبعد أن كان التقارب معها يُنظر إليه كوسيلة لكسب دعم واشنطن، بدأت تل أبيب تتحول إلى شريك أمني مباشر.

وتتصدر الإمارات هذا المسار، إذ توسع التعاون بين الجانبين في مجالات الاستخبارات والتكنولوجيا السيبرانية ومنظومات الدفاع والتنسيق الأمني خلال السنوات الأخيرة. وسرّعت الحرب الأخيرة هذا التوجه، وأظهرت استعداد أبوظبي لرفع مستوى التعاون من العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية إلى الشراكة الميدانية.

أما البحرين، فتتحرك في الاتجاه ذاته لأسبابها الخاصة. فموقعها الجيوسياسي الحساس جعلها تشعر دوماً بالهشاشة أمام النفوذ الإقليمي الإيراني. وبعد الحرب، ازدادت اعتماداً على الدعم الأمني الإسرائيلي والإماراتي. وبخلاف الرياض أو الدوحة، لا تملك المنامة هامشاً واسعاً للعب دور إقليمي مستقل، ما يدفعها إلى اعتبار الارتباط بمحور أبوظبي–تل أبيب جزءاً من ضمان بقائها.

مسارات متباينة لدول الخليج

في المقابل، لم تعتمد جميع الدول العربية الخليجية النهج ذاته. فالسعودية، رغم خلافاتها مع طهران، لا تزال حذرة حيال التطبيع الكامل مع إسرائيل، مدركة أن الرأي العام العربي والإسلامي لا ينظر بإيجابية إلى تل أبيب، وأن التقارب العلني قد يترتب عليه كلفة داخلية وإقليمية كبيرة.

وتحاول قطر الحفاظ على توازن بين طهران وواشنطن وبقية الأطراف الإقليمية، وتشير تقارير إلى أن زيارة رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري إلى الولايات المتحدة هدفت إلى الوساطة لمنع تجدد الحرب.

أما عُمان، فحافظت على دورها التقليدي كوسيط وابتعدت عن الانخراط في تحالفات حادة مناهضة لإيران.

وقد أدت هذه التباينات إلى تعميق الانقسام الاستراتيجي داخل مجلس التعاون. ففي حين تتجه الإمارات والبحرين نحو محور أمني مع إسرائيل، تفضل دول أخرى تجنب تحويل الخليج إلى ساحة مواجهة دائمة. وبرزت هذه الانقسامات بوضوح، مع انسحاب الإمارات من منظمة أوبك، وتداول تكهنات حول احتمال خروجها من مجلس التعاون.

سعي إماراتي لتعزيز الدور الإقليمي

تُعد الإمارات اليوم قوة اقتصادية بارزة في العالم العربي، تمتلك شبكة تجارية واسعة وموانئ استراتيجية ونفوذاً مالياً في الشرق الأوسط وأفريقيا. وترى أبوظبي أن الحفاظ على مكانتها يتطلب دوراً أمنياً أكثر فاعلية في معادلات المنطقة.

وخلال السنوات الأخيرة، انخرطت الإمارات بقوة في ملفات اليمن وليبيا والسودان والقرن الأفريقي، وغالباً بدعم أو تنسيق غير مباشر مع إسرائيل. يقول منتقدون إنها دعمت قوى انفصالية أو مناهضة للإسلاميين في بعض الأزمات، ما جعلها لاعباً تدخلياً.

ومع ذلك، كشفت الحرب الأخيرة حقيقة أخرى، إذ لا تزال الإمارات ترتبط بعلاقات اقتصادية عميقة مع إيران. فطهران من أبرز شركائها التجاريين، ويجري جزء كبير من التجارة غير الرسمية والترانزيت الإيراني عبر الإمارات. وهذا الترابط الاقتصادي دفع أبوظبي إلى الإبقاء على قنوات اتصال مع طهران، بالتوازي مع سياسة الضغط.

تحالف هش بين العرب وإسرائيل

دخل تقارب الإمارات والبحرين مع إسرائيل مرحلة جديدة بعد الحرب، لكنه يواجه تحديات كبيرة. فالرأي العام العربي، ولا سيما بعد حرب غزة، لا يزال يحمل مواقف سلبية حادة تجاه إسرائيل. كما تخشى دول عدة من اختلال ميزان القوى لصالح تل أبيب، بما قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار وتصاعد التنافس الجيوسياسي.

وأظهرت الحرب أيضاً أن الولايات المتحدة قد لا تكون مستعدة للبقاء حتى النهاية إلى جانب حلفائها الإقليميين، ما دفع بعض الدول العربية إلى البحث عن نماذج أمنية جديدة تمنح إسرائيل دوراً يتجاوز الشراكة التقليدية.

غير أن السؤال المركزي يبقى مطروحاً: هل يمكن لتحالف قائم على القلق المشترك من إيران أن يتحول إلى نظام إقليمي مستقر، أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من الاستقطاب تتعمق فيها الانقسامات بين الدول العربية؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى