الصحافة الإيرانية: ملاحظات جدية حول مذكرة التفاهم الإيراني الأمريكية واستفهام بشأن التنازلات المتبادلة
دونالد ترامب، الذي يواجه في الأيام الأخيرة انتقادات داخلية بشأن الحرب مع إيران والتفاهم الموقّع، قد يلجأ إذا شعر بضغط الرأي العام بأنه يظهر كخاسر أو مُهان، إلى اتخاذ خطوات مفاجئة أو تصعيدية، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية أو الأخلاقية.

ميدل ايست نيوز: بشكل عام ومنصف يمكن القول إن التفاهم الموقّع بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية يصب في مصلحة إيران. فمعظم بنوده تعكس مطالب طهران وتنسجم مع مصالحها، خصوصاً البندان الأولان اللذان ينصان على التزام الطرفين بعدم مهاجمة بعضهما البعض، واحترام السيادة ووحدة الأراضي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
يقول الصحفي الإيراني علي موسوي خلخالي في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إنه حتى اليوم، وبعد نحو أسبوع من توقيع التفاهم، تم تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان رغم كل محاولات التعطيل، كما تم الإفراج عن 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية، والتي قال محافظ البنك المركزي ناصر همتي إنها ستُستخدم لشراء السلع الأساسية التي تحتاجها البلاد. كما أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصاً بتعليق جزئي للعقوبات النفطية ومشتقاتها لمدة 60 يوماً، وتم رفع الحصار البحري، وإعادة فتح مضيق هرمز وفق الآليات المحددة. كذلك عقد الطرفان جولة مفاوضات مباشرة رفيعة المستوى في سويسرا، وبدأت الفرق الفنية من الجانبين محادثاتها، على أن تستمر المفاوضات خلال الأيام المقبلة.
وقال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الفريق المفاوض الإيراني، في 2 يونيو الجاري خلال الدورة العشرين لمؤتمر اتحاد برلمانات الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي في باكو بأذربيجان: إن التجربة أثبتت أن الدبلوماسية تكون فعّالة ومستقرة عندما تقوم على الاحترام والمساواة والاعتراف بسيادة الدول، وتستند إلى دعم الشعب. وأضاف أن “تفاهم إسلام آباد” لم يكن نتيجة ضغط أو إكراه، بل ثمرة مقاومة واقتدار الشعب الإيراني، وأنه يثبت أن الحوار ينجح فقط عندما يتخلى الطرف المقابل عن فرض إرادته ويعترف بالحقوق. واعتبر أن هذا التفاهم تحول إلى “إعلان هزيمة للولايات المتحدة”.
يشكّل هذا التفاهم الأساس الذي تنطلق منه المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة للوصول إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوماً. ومن هنا فإن توقيعه يحمل أهمية قانونية وسياسية، وبما أن واشنطن اتخذت بالفعل خطوات استجابة لبعض المطالب الإيرانية، يمكن القول إنها قدّمت تنازلات نسبية. لكن من المهم الإشارة إلى أن ما تعتبره طهران “هزيمة أمريكية”، لا تعتبره واشنطن كذلك، بل ترى نفسها في موقع قوة. ورغم تقديمها بعض التنازلات لدفع طهران إلى التفاوض، إلا أن الجانب الأمريكي يعتقد أيضاً أنه يدخل المفاوضات من موقع قوة. وهنا يبرز سؤال أساسي: في مقابل التنازلات التي قدمتها واشنطن، ما الذي قدمته إيران أو ستقدمه لاحقاً؟ خصوصاً أن الطرف الأمريكي، بقيادة دونالد ترامب، يحتاج إلى ما يبرر داخلياً هذا المسار أمام الرأي العام الأمريكي.
إن إذلال الطرف الخاسر ليس دائماً في مصلحة الطرف المنتصر. فقد أظهرت التجارب التاريخية أن الدول المنتصرة عندما ترفض تقديم أي تنازلات للطرف المهزوم تدفع لاحقاً ثمناً باهظاً. ومن أبرز الأمثلة ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، حين أدى الإفراط في إذلالها إلى نشوء النازية وصعود هتلر، وما تبعه من حرب عالمية جديدة. وكذلك ساهمت ممارسات الاتحاد السوفييتي تجاه شعوب أوروبا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية في خلق حالة عداء عميق ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.
وبالمثل، فإن الولايات المتحدة، التي ترى نفسها قوة عظمى، لم تقبل يوماً بالخروج بصورة مهزومة أو مُذلّة. وحتى في فيتنام، وبعد خسارتها، انسحبت بعد عشر سنوات من الحرب بقدر كبير من العنف والدمار.
لذلك يبقى السؤال مطروحاً: ما هي التنازلات المتبادلة فعلياً بين الطرفين؟ وإذا كان الأمر يقتصر على الملف النووي مع الحفاظ على حق التخصيب، فهذا لم يكن جديداً. أما مسألة فتح مضيق هرمز، رغم أهميتها، فهي تقابلها مسألة رفع الحصار البحري.
دونالد ترامب، الذي يواجه في الأيام الأخيرة انتقادات داخلية بشأن الحرب مع إيران والتفاهم الموقّع، قد يلجأ إذا شعر بضغط الرأي العام بأنه يظهر كخاسر أو مُهان، إلى اتخاذ خطوات مفاجئة أو تصعيدية، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية أو الأخلاقية، خاصة مع وجود عامل ضغط دائم يتمثل في إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.
كما لا ينبغي المبالغة في الحديث عن الخلافات بين ترامب ونتنياهو التي تُطرح إعلامياً، إذ كثيراً ما تبيّن لاحقاً أن ما يُقدَّم كخلافات كان جزءاً من تفاهمات أو تنسيق لخطط معينة.
وقد أطلق ترامب بالفعل في خطابه الأخير في ولاية بنسلفانيا تحذيراً ضمنياً، إذ قال إن إيران وفنزويلا “بخير حتى الآن”، لكنه هدد بأن الولايات المتحدة قد تنهي الأمر خلال أقل من أسبوع إذا لم تسر الأمور كما تريد واشنطن، معرباً في الوقت نفسه عن أمله في أن يتم التوصل إلى حل نهائي.
هذه المعطيات يجب أن تكون حاضرة بوضوح في حسابات الطرفين المفاوضين، وأن تؤخذ بعين الاعتبار خلال سير المحادثات، لتجنب أي تصعيد مفاجئ، خصوصاً أن تجربة العام الماضي شهدت اندلاع مواجهات مرتين أثناء المفاوضات. ولذلك فإن هذا التحذير يجب أن يبقى دائماً في الحسبان.



