بين هرمز وملقا.. كيف تتحول الممرات البحرية إلى سلاح ضد الاقتصاد الصيني؟
تواجه الصين حاليًا ما يُعرف بـ«المثلث القاتل»، وهو وضع يجمع بين النمو الاقتصادي السريع، والنقص الحاد في موارد الطاقة المحلية، وما يترتب على ذلك من ضرورة التوسع العسكري على نطاق واسع في آسيا.
ميدل ايست نيوز: أدت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران إلى إغلاق مضيق هرمز الذي يعد، إلى جانب مضيق ملقا، أحد شرياني الاقتصاد الصيني الحيويين. تعد الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، إذ يأتي نحو نصف احتياجاتها النفطية من دول الخليج. ووفقًا لبيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية، تبلغ واردات الصين النفطية نحو 42 مليون طن يوميًا، أي ما يعادل 10.3 ملايين برميل من النفط يوميًا، وقد يصل هذا الرقم إلى 11.5 مليون برميل يوميًا. لكن مضيق هرمز أصبح الآن مغلقًا، ما أدى إلى تباطؤ إمدادات الصين بالنفط والغاز من الشرق الأوسط. وإضافة إلى ذلك، تواجه الصين ضغوطًا أمريكية من جهة مضيق ملقا.
مضيق ملقا؛ شريان اقتصادات شرق آسيا
يُعد مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا أحد أهم الممرات المائية في العالم. وهو ممر مائي ضيق يقع بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، ويربط المحيط الهندي بالمحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي.
ويمر عبر مضيق ملقا ما يقرب من ربع شحنات النفط الخام في العالم، وإذا أضيفت مختلف السلع التجارية الأخرى إلى ناقلات النفط العابرة للمضيق، فإن نحو 100 ألف سفينة تمر سنويًا عبر هذا الممر المائي، وهو ما يمثل 60% من التجارة العالمية. وبعبارة أخرى، تمر عبر هذا الممر سنويًا تجارة عالمية بقيمة نحو 3.5 تريليونات دولار، أي ما يعادل ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وتكشف نظرة إلى تفاصيل تجارة النفط عبر مضيق ملقا عن معلومات مهمة؛ فوفقًا لتقرير صادر عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تجاوز مضيق ملقا مضيق هرمز من حيث حجم عبور المواد الخام. ففي حين بلغ الحد الأقصى للنفط العابر عبر مضيق هرمز، قبل الحرب بين إيران والولايات المتحدة، نحو 20.9 مليون برميل يوميًا، يتجاوز حجم النفط المار عبر مضيق ملقا 23.7 مليون برميل يوميًا.
معضلة ملقا بالنسبة إلى الصين
تنبع أهمية هذه المسألة من اعتماد الصين الكبير على مضيق ملقا. فعلى الرغم من أن الصين، أكبر مستورد للنفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، حاولت تقليص اعتمادها على الطاقة من خلال تنويع مزيج استهلاكها من الطاقة وريادتها في إنتاج الطاقة المتجددة، فإنها لا تزال تستورد نحو 80% من احتياجاتها من الطاقة لتشغيل ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وفي هذا السياق، تعتمد الصين بشدة على مضيق ملقا؛ فعلى الرغم من إمكانية استبداله بمسارات أخرى، فإنه يمثل أقصر طريق بحري للربط بين المحيطين، في حين يمكن أن تؤدي المسارات البديلة إلى زيادة تكاليف النقل البحري بصورة كبيرة. ويمر حاليًا أكثر من 83% من واردات الصين النفطية ونحو ثلثي إجمالي تجارتها عبر مضيق ملقا. وبعبارة أخرى، يمر عبر هذا الممر المائي نحو 16 مليون برميل من النفط يوميًا، بما يضمن استمرار ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
ويأتي اعتماد الصين على مضيق ملقا في وقت يقع فيه هذا الممر ضمن المنظومة الأمنية والعسكرية الأمريكية. إذ تفرض الأسطول السابع الأمريكي، المتمركز في المحيط الهادئ، نفوذًا أمنيًا وعسكريًا على مضيق ملقا. ويُعد هذا الأسطول أحد أقوى الأساطيل في العالم، وينشط منذ عقود في شرق وجنوب شرق آسيا، كما أدى دورًا مهمًا في الحربين الكورية والفيتنامية. وإضافة إلى ذلك، وقعت الولايات المتحدة، بهدف ضمان أمن هذا الممر المائي ومنع القرصنة والإرهاب البحري، عدة اتفاقيات عسكرية مع الدول المعنية بأمن مضيق ملقا.
ولهذا السبب، اعترض القادة الصينيون مرارًا على الوجود العسكري الأمريكي في هذه المنطقة وأعربوا عن استيائهم منه. وقد بلغ هذا الاستياء حدًا جعل مضيق ملقا يُوصف منذ سنوات في الأدبيات الاستراتيجية الصينية بمصطلح «معضلة ملقا»، وهو المصطلح الذي طرحه للمرة الأولى هو جينتاو، الرئيس الصيني السابق.
ويرى محللون أن الولايات المتحدة تمثل تهديدًا محتملًا لتدفق إمدادات الطاقة البحرية عبر مضيق ملقا. وفي حال اندلاع نزاع، ولا سيما حول تايوان، يمكن للولايات المتحدة قطع إمدادات النفط إلى الصين من خلال تعطيل طرق الملاحة البحرية.
وأعربت الصين عن مخاوفها من أن القوات البحرية الأمريكية العاملة بالقرب من مضيق ملقا قد تعرقل نقل شحنات النفط الحيوية، وبالتالي تقطع عمليًا واردات البلاد الحيوية. وتتضمن الاستراتيجية البحرية الأمريكية خيارات لتقييد وصول الصين إلى الممرات المائية الرئيسية من خلال استخدام الغواصات الهجومية والسفن السطحية. كما يؤكد محللون أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قناة بنما وضم غرينلاند إلى المدار القطبي الشمالي أعادت مرة أخرى أحد أهم المفاهيم الجيوسياسية في العالم، منذ الحقبة الكلاسيكية، إلى صدارة النقاشات العسكرية والأمنية، وهو «السيطرة على البحار».
وتناول رافائيل بي. بي. دوسون، محلل الشؤون الاستراتيجية، في مقال له، كيفية تأثير الأمن البحري والسيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية في العالم على مصير القوى الكبرى، مشيرًا إلى أن مضيق ملقا يمثل بالنسبة إلى الصين، أبعد من كونه مجرد طريق تجاري، «شريانًا حيويًا».
وتواجه الصين حاليًا ما يُعرف بـ«المثلث القاتل»، وهو وضع يجمع بين النمو الاقتصادي السريع، والنقص الحاد في موارد الطاقة المحلية، وما يترتب على ذلك من ضرورة التوسع العسكري على نطاق واسع في آسيا. ويرى خبراء أن الاعتماد المتزايد على مضيق ملقا لا يهدد أمن الطاقة في الصين فحسب، بل يعرض أيضًا أساس الشرعية السياسية الداخلية للحزب الشيوعي الصيني للخطر. وإدراكًا لهذه الثغرة، وضعت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة استراتيجية الاحتواء على رأس أجندتها.
ويرى منظرو القوة أنه مع تصاعد المنافسة بين بكين وواشنطن، أصبح التحكم في مضيق ملقا أحد آخر الأوراق الحيوية التي تمتلكها واشنطن لاحتواء الصين. وفي حال اندلاع أي توتر في تايوان، فإن احتمال فرض حصار بحري على الصين وقطع وصولها إلى مصادر الطاقة يمثل سيناريو كابوسيًا بالنسبة إلى بكين.



