«مشروع النفوذ الأجنبي» يشعل خلافًا بين عارف وقاليباف؛ هل يتراجع البرلمان الإيراني؟

بدأ الجدل حول المشروع منذ إقرار إطاره العام. يقول المنتقدون إن مبدأ مكافحة التجسس والعمليات الأجنبية المنظمة ليس موضع خلاف؛ وإنما تكمن المشكلة في اتساع النطاق الذي يحدده القانون لمفهوم «النفوذ».

ميدل ايست نيوز: حوّل مشروع البرلمان الإيراني «مكافحة نفوذ أجهزة الاستخبارات والحكومات أو المؤسسات الأجنبية»، الذي يهدف إلى مواجهة أنشطة أجهزة الاستخبارات الأجنبية ويجري بحثه في البرلمان، إلى موضع خلاف جدي بين الحكومة والبرلمان؛ بدءًا من تحذير محمد رضا عارف من تداعياته على العلم والتكنولوجيا، وصولًا إلى نفي محمد باقر قاليباف تقديمه وعدًا بوقف المشروع. وفي الوقت نفسه، أدت الإبهامات الموجودة في مواد مختلفة من المشروع إلى إعادة جزء منه مجددًا إلى لجنة الأمن القومي.

وتحوّل إقرار المبادئ العامة لمشروع «مكافحة نفوذ أجهزة الاستخبارات والحكومات أو المؤسسات الأجنبية» في البرلمان الإيراني، الذي واجه منذ البداية انتقادات بشأن نطاقه وكيفية تطبيقه، إلى خلاف علني بين الحكومة والبرلمان. وحذّر محمد رضا عارف، النائب الأول لبزشكيان، من تداعيات هذا المشروع على قطاع العلم والتكنولوجيا، وقال إن قاليباف وعد بإخراج المشروع من جدول أعمال المجلس؛ وهي رواية نفاها رئيس البرلمان.

وفي أحدث تطور، نقل علي نيكزاد، نائب رئيس البرلمان، عن قاليباف قوله إن رئيس البرلمان لم يلتقِ عارف بشأن هذا الموضوع، ولم يتحدث معه، ولم يقدم أي وعد بإخراج المشروع من جدول الأعمال. كما اعترض النواب على تصريحات النائب الأول للرئيس الإيراني، واعتبروها تدخلًا من الحكومة في مسار التشريع داخل البرلمان.

وفي الوقت نفسه، تتواصل في البرلمان الإيراني دراسة تفاصيل المشروع، فيما أعيدت المادتان الثالثة والرابعة إلى لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية لمزيد من البحث بسبب وجود إبهامات فيهما؛ وهو ما يدل على أنه حتى داخل البرلمان لا يوجد توافق كامل بشأن بعض أجزاء هذا المشروع.

من مكافحة النفوذ إلى الخلاف حول نطاق التواصل مع العالم

أقرّ البرلمان الإيراني في 16 أغسطس الجاري الإطار العام لهذا المشروع بموافقة 183 نائبًا. ويقول واضعو المشروع إن الهدف منه هو سد الثغرات القانونية في مواجهة أساليب النفوذ الجديدة، والتمييز بينها وبين التجسس التقليدي.

وأكد روح الله نجابت، أحد واضعي المشروع، أن النص الذي يجري بحثه حاليًا في البرلمان يختلف عن النسخة الأولية، مشيرًا إلى أن النسخة النهائية ارتفعت من 19 مادة إلى 33 مادة.

ومع ذلك، لا يزال الانتقاد الأساسي للمعارضين قائمًا، ويتمثل في القلق من أن يجري تعريف مفهوم «النفوذ» بصورة واسعة للغاية، بحيث يشمل أيضًا الاتصالات العلمية والاقتصادية والإعلامية والثقافية العادية مع الخارج.

المادة الثانية؛ كيف سيُعرّف «النفوذ» تحديدًا؟

تكمن أهمية المادة الثانية في أنها تحدد جزءًا من المصطلحات والتعريفات المستخدمة في المشروع برمته. ففي الواقع، وقبل تحديد الاتصالات التي يجب تسجيلها، والأنشطة التي تحتاج إلى ترخيص، والسلوكيات التي يمكن أن تخضع للعقوبة، ينبغي أولًا أن يكون واضحًا كيف يعرّف المشرّع «النفوذ» والمفاهيم المرتبطة به أساسًا.

وبحث النواب الإيرانيون هذه المادة وأقروها خلال جلسة يوم أمس الثلاثاء. وتكتسب هذه المادة أهمية خاصة، لأن نطاق التعريفات الواردة فيها يمكن أن يؤثر في كيفية تفسير المواد اللاحقة.

لهذا السبب، يتمثل أحد الأسئلة الرئيسية التي يطرحها المنتقدون في مدى وضوح الحد الفاصل في نص القانون بين «النفوذ المنظم والإجرامي» وبين «التواصل والتعاون المشروع مع الأشخاص والمؤسسات الأجنبية».

عارف قلق بشأن العلم؛ والبرلمان يقول إنه لم يقدم وعدًا بوقف المشروع

طرح محمد رضا عارف أكثر الانتقادات الحكومية صراحة لهذا المشروع، وقال إنه إذا أُقرّ المشروع بصيغته الحالية، فقد تكون أضراره على قطاع العلم والتكنولوجيا أكبر حتى من قانون عام 2023. كما أعربت الحكومة عن قلقها من تداعياته على الأنشطة العلمية والباحثين وهجرة النخب.

في المقابل، لم يوقف البرلمان الإيراني المشروع، بل واصل عملية بحثه. وازداد الخلاف حدة عندما قال عارف إن قاليباف وعد بإخراج المشروع من جدول الأعمال. إلا أن نيكزاد نقل عن رئيس البرلمان نفيه هذا الأمر. وبذلك، امتد الخلاف حول مضمون المشروع إلى خلاف بشأن اتفاق محتمل بين الحكومة والبرلمان أيضًا.

المادتان الثالثة والرابعة؛ متى يصبح التواصل مع الأجانب بحاجة إلى تسجيل وترخيص؟

تُعد المادة الثالثة من أكثر أجزاء المشروع حساسية. ووفقًا للنص قيد البحث، يتعين في بعض الحالات تسجيل أنشطة الجهات الخاضعة للقانون مع الوكلاء والمواطنين الأجانب في نظام إلكتروني، كما ستحتاج بعض الأنشطة إلى موافقة أو ترخيص.

وفي الوقت نفسه، أُدرجت استثناءات لبعض الأنشطة، مثل أنشطة القوات المسلحة ووزارة الاستخبارات ومشاركة المسؤولين السياسيين. ومن المقرر تحديد استثناءات أخرى في لوائح تنفيذية تشارك وزارة الاستخبارات ومنظمة استخبارات الحرس الثوري في إعدادها.

وكان هذا الموضوع أحد الاعتراضات التي طرحها النواب خلال جلسة الثلاثاء. حيث حذّر عليرضا سليمي، عضو هيئة رئاسة مجلس الشورى، من الغموض بشأن الاستثناءات، وكذلك بشأن وضع الأنشطة العلمية والبحثية والنخب والشركات التكنولوجية، مطالبًا بتوضيح وضعها. وفي نهاية المطاف، أعيدت المادتان الثالثة والرابعة إلى لجنة الأمن القومي لمعالجة هذه الإبهامات.

وتتضمن المادة الرابعة أيضًا استثناءات للأنشطة العادية واليومية، والصفقات الصغيرة والمفاوضات التجارية الأولية، لكنها تفرض قيودًا أكبر على بعض المهن الحساسة والتعامل مع وسائل الإعلام الأجنبية وأنشطة المواطنين الأجانب.

وخلال بحث هذه المادة، طُرح حتى اقتراح يقضي باعتماد «محورية التهديد» بدلًا من القيمة المالية للصفقة معيارًا للتقييم؛ أي أن حساسية أي تواصل تُقاس بناءً على مستوى التهديد المحتمل الذي يمثله، وليس فقط قيمة الصفقة المالية.

مكافحة نفوذ أم قانون للسيطرة على الاتصالات الخارجية؟

بدأ الجدل حول المشروع منذ إقرار إطاره العام. يقول المنتقدون إن مبدأ مكافحة التجسس والعمليات الأجنبية المنظمة ليس موضع خلاف؛ وإنما تكمن المشكلة في اتساع النطاق الذي يحدده القانون لمفهوم «النفوذ».

وتزداد هذه المخاوف عندما تدخل الاتصالات الأكاديمية والإعلامية والاقتصادية والمهنية مع الخارج ضمن آليات التسجيل والترخيص والرقابة. وهنا، يصبح الحد الفاصل بين التواصل العادي والنشاط الخاضع للقانون ذا أهمية حاسمة.

وكان حسام الدين آشنا من بين المنتقدين الذين حذّروا من غموض بعض المفاهيم، وطريقة تحديد الحالات المشمولة بالقانون، وإحالة جزء من التفاصيل إلى لوائح تضعها الأجهزة الأمنية. ويتمثل السؤال الرئيسي في تحديد ما ينبغي توضيحه في نص القانون نفسه، وما يمكن إحالته إلى اللوائح اللاحقة.

ومن جهة أخرى، حذّر بعض المنتقدين من احتمال نشوء حالة من التحفظ والرقابة الذاتية بين الأكاديميين والباحثين ووسائل الإعلام والناشطين الاقتصاديين؛ وهو القلق الذي أكدت عليه الحكومة أيضًا، وإن بصياغة مختلفة.

المشروع لم يُحسم بعد؛ لكن الخلاف الرئيسي بدأ للتو

على الرغم من كل هذا الجدل، لا ينبغي إغفال نقطة مهمة، وهي أن البرلمان الإيراني لم يقر بعد القانون النهائي لمكافحة النفوذ. فما أُقر حتى الآن هو الإطار العام وجزء من مواد المشروع، فيما تشير إعادة المادتين الثالثة والرابعة إلى لجنة الأمن القومي إلى أن النص لا يزال يخضع للتغيير والتعديل.

لكن الخلاف حول هذا المشروع تجاوز الآن مجرد نقاش أمني. فحكومة بزشكيان قلقة من تداعياته على العلم والاتصالات الخارجية، فيما يبدي بعض النواب ملاحظات بشأن الإبهامات القانونية والتنفيذية فيه، بينما لا يزال واضعو المشروع يؤكدون ضرورة إيجاد أداة قانونية لمواجهة النفوذ.

وفي الختام، لا يتمثل التحدي الرئيسي أمام البرلمان الإيراني في إقرار قانون لمكافحة النفوذ فحسب، بل في مدى دقة ووضوح تحديد الحد الفاصل بين النفوذ والتواصل المشروع مع العالم الخارجي. فإذا لم يكن هذا الحد واضحًا، فإن القانون الذي يفترض أن يزيد كلفة أنشطة الأجهزة الأجنبية قد يؤدي في الوقت نفسه إلى رفع كلفة التواصل العلمي والإعلامي والاقتصادي لإيران مع العالم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى