لماذا لا يرغب ترامب في مهاجمة الحوثيين؟

يرتبط جزء كبير من صعوبة هزيمة الحوثيين بطبيعة الجماعة نفسها، التي تشكلت على مدى أكثر من عقدين في ظروف الحرب واكتسبت خبرة واسعة في البقاء تحت القصف.

ميدل ايست نيوز: دفع تقدم الحوثيين مجدداً نحو باب المندب السعودية إلى مطالبة الولايات المتحدة بشن هجوم مباشر عليهم، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يبدي في الوقت الراهن رغبة في فتح جبهة جديدة في اليمن. وتتمثل أبرز أسباب هذا الحذر في تجربة الحملة العسكرية المكلفة وغير الحاسمة عام 2025، وصعوبة هزيمة الحوثيين، وانشغال الجيش الأميركي بالحرب مع إيران والسيطرة على مضيق هرمز.

وبعد أربع سنوات من الجمود، يقترب اليمن مجدداً من حرب شاملة قد تتجاوز تداعياتها هذه المرة حدود البلاد. فقد سيطر الحوثيون خلال الأيام الأخيرة على ميناء استراتيجي في البحر الأحمر، واقتربوا أكثر من مضيق باب المندب، الذي اكتسب أهمية متزايدة باعتباره أحد المسارات القليلة المتبقية أمام التجارة ونقل الطاقة من الشرق الأوسط إلى العالم، في ظل اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز.

وتصاعدت داخل اليمن المواجهات بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة اليمنية، فيما ارتفع مستوى التوتر بين الحوثيين والسعودية. ويرى محللون أن معظم الأطراف الرئيسية في الأزمة لديها دوافع لتصعيد المواجهة.

وتبدو السعودية الأكثر قلقاً، إذ تحولت حملتها العسكرية السابقة في اليمن إلى حرب طويلة ومكلفة، أسهمت في مقتل مئات الآلاف من اليمنيين نتيجة العنف والجوع والمرض، من دون أن تحقق الرياض أهدافها السياسية. كما ألحقت الحرب أضراراً بسمعة السعودية الدولية واستنزفت موارد مالية كبيرة.

ولهذا السبب، غيرت السلطات السعودية مسارها منذ عام 2022، واتجهت إلى محاولة احتواء الحوثيين عبر المفاوضات، والحفاظ على الهدوء على حدودها الجنوبية، وإبعاد الجماعة قدر الإمكان عن إيران. لكن هذه الحسابات بدأت تتغير مجدداً.

السعودية تطالب مجدداً بهجوم أميركي على الحوثيين

أثار تقدم الحوثيين الأخير واقترابهم من باب المندب مخاوف سعودية متزايدة. وذكر أكسيوس أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اتصل بالرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتين الخميس، وطلب منه إصدار أوامر بشن هجمات على مواقع الحوثيين.

لكن ترامب رفض الطلب.

ويبدو القرار للوهلة الأولى مفاجئاً، خصوصاً أن الولايات المتحدة تخوض حالياً حرباً مباشرة مع إيران، وأن أحد أبرز المخاوف السابقة في واشنطن، والمتمثل في احتمال أن يؤدي الهجوم الواسع على الحوثيين إلى حرب مباشرة مع طهران، لم يعد قائماً بالدرجة نفسها. فالولايات المتحدة وإيران تخوضان بالفعل مواجهة شاملة، وأصبح مضيق هرمز أحد أبرز ميادينها.

مع ذلك، لا ترغب واشنطن في الوقت الراهن في توسيع الحرب لتشمل اليمن.

خلافات داخل إدارة ترامب حول اليمن

كشفت أحداث عام 2025 عن انقسام داخل إدارة ترامب بشأن التعامل مع اليمن والتدخل العسكري الأميركي في الشرق الأوسط. ففي مارس من ذلك العام، أدى تسريب محادثة خاصة بين مسؤولين أميركيين كبار عبر تطبيق «سيغنال» إلى إظهار خلافات حادة بشأن خطة شن غارات جوية على الحوثيين.

وكان نائب الرئيس جيه دي فانس ومستشار ترامب ستيفن ميلر في الجانب الأكثر تحفظاً تجاه التدخل العسكري، فيما تبنى وزير الدفاع بيت هيغسيث موقفاً أكثر ميلاً إلى العمل العسكري.

ولم يقتصر الخلاف على مخاطر مواجهة إيران، بل شمل أيضاً مسألة تحمل الولايات المتحدة تكلفة حماية ممرات بحرية يرى بعض المسؤولين الأميركيين أن أهميتها للاقتصاد الأوروبي أكبر من أهميتها للولايات المتحدة.

حملة 2025 لم تحسم المعركة

رغم هذه الخلافات، شنت إدارة ترامب في 2025 حملة عسكرية واسعة ضد الحوثيين استمرت نحو سبعة أسابيع ونصف، واستهدفت أكثر من ألف موقع في اليمن.

وفي 6 مايو 2025، أعلن ترامب وقف القصف، بعد أن قالت واشنطن إن الحوثيين لم يعودوا يرغبون في مواصلة القتال. وأعلنت سلطنة عُمان لاحقاً أنها توسطت بين الطرفين للتوصل إلى تفاهم يقضي بعدم استهداف كل منهما للآخر.

لكن الحملة لم تؤد إلى هزيمة عسكرية حاسمة للحوثيين. ورغم إعلان البنتاغون مقتل عدد من كبار قادة الجماعة وتضرر قدراتها الصاروخية والطائرات المسيرة، لم تظهر مؤشرات قوية على انهيار هيكل القيادة أو فقدان الحوثيين قدرتهم على مواصلة القتال.

وحافظت الجماعة على سيطرتها في شمال اليمن، وقدمت انتهاء الحملة الأميركية باعتباره انتصاراً لها.

لماذا يصعب هزيمة الحوثيين؟

يرتبط جزء كبير من صعوبة هزيمة الحوثيين بطبيعة الجماعة نفسها، التي تشكلت على مدى أكثر من عقدين في ظروف الحرب واكتسبت خبرة واسعة في البقاء تحت القصف.

وتوفر المناطق الجبلية الوعرة في اليمن للحوثيين قدرة كبيرة على إخفاء قياداتهم ومستودعات الأسلحة والمعدات العسكرية. كما أظهرت الجماعة قدرة عالية على تحمل الخسائر البشرية والمادية.

وتؤكد تجربة السعودية والإمارات هذه الصعوبة، إذ حاول البلدان على مدى سنوات استخدام التفوق الجوي والدعم الاستخباراتي الأميركي لإجبار الحوثيين على التراجع، لكنهما لم يتمكنا من تحقيق هدفهما الرئيسي.

وبالتالي، يمكن للغارات الجوية تدمير مخازن أو صواريخ أو منشآت تابعة للحوثيين، لكن تحويل هذه الخسائر التكتيكية إلى هزيمة سياسية وعسكرية دائمة يمثل تحدياً مختلفاً تماماً.

الحرب مع إيران أزالت عائقاً، لكنها لم تحسم المشكلة

كان أحد أبرز المبررات السابقة لرفض تصعيد الهجمات الأميركية في اليمن هو احتمال أن تؤدي تلك الهجمات إلى مواجهة مباشرة مع إيران. وقد تراجعت أهمية هذا العامل حالياً بعدما دخلت واشنطن وطهران بالفعل في مواجهة مباشرة.

لكن ذلك لا يعني أن فتح جبهة يمنية أصبح خياراً سهلاً بالنسبة إلى واشنطن. فالولايات المتحدة تواجه بالفعل ضغوطاً عسكرية كبيرة بسبب الحرب مع إيران، فيما يواصل الحوثيون الاحتفاظ بقدرتهم على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

ويشير ذلك إلى أن قدرات الحوثيين لم تعد مرتبطة بالكامل بخطوط إمداد مباشرة من إيران، وأن قطع جزء من الدعم الإيراني لا يعني بالضرورة شل الجماعة.

السيطرة على المخا ترفع المخاوف

ازدادت المخاوف بعد إعلان الحوثيين السيطرة على ميناء المخا، وهو موقع استراتيجي على ساحل البحر الأحمر يتمتع بأهمية كبيرة لمراقبة الملاحة والضغط على حركة السفن في باب المندب.

واكتسب باب المندب أهمية أكبر في ظل اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، إذ أصبح البحر الأحمر أحد المسارات البديلة المهمة أمام نقل النفط والتجارة.

وفي حال تعرض هذا المسار أيضاً لاضطرابات واسعة، فقد يتزايد الضغط على التجارة العالمية وإمدادات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط.

ولهذا لم تعد الأزمة اليمنية مجرد مسألة داخلية أو قضية بين السعودية والحوثيين، بل أصبحت مجدداً أزمة يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في الاقتصاد العالمي.

واشنطن تساعد السعودية لكنها لا تريد خوض الحرب

لم تبق الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي أمام التطورات الأخيرة. إذ يوجد أكثر من 100 مستشار عسكري أميركي في السعودية، يقدمون المعلومات والدعم المتعلق بتحديد الأهداف ضمن الحملة السعودية ضد الحوثيين، فيما يقدر أحد المسؤولين الأميركيين إجمالي عدد العسكريين المشاركين في هذه المهمة بنحو 200 شخص.

كما توفر واشنطن بيانات استخباراتية وجغرافية لقوات السعودية بهدف زيادة دقة عملياتها.

لكن الولايات المتحدة وضعت حدوداً واضحة لهذا التعاون، إذ لا تشارك قواتها مباشرة في الهجمات، كما لا تقدم دعماً عملياتياً واسعاً على غرار بعض مراحل الحرب السابقة.

وبعبارة أخرى، تساعد الولايات المتحدة السعودية في مواجهة الحوثيين، لكنها لا تريد في الوقت الراهن أن تصبح طرفاً رئيسياً في الحرب.

ويعود جزء أساسي من هذا الحذر إلى أولويات الجيش الأميركي الحالية، إذ يواجه ضغوطاً كبيرة نتيجة الحرب مع إيران، تشمل الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة والمهام العسكرية الطويلة، فضلاً عن المخاوف المتعلقة باستهلاك الذخائر.

وفي ظل هذه الظروف، يظل مضيق هرمز محور الاهتمام العسكري الأميركي، حيث تهاجم القوات الأميركية أهدافاً إيرانية، وترافق السفن التجارية، وتحافظ على حصار بحري للموانئ الإيرانية.

أما فتح جبهة واسعة في اليمن، فيعني توزيع المزيد من الموارد والذخائر والاهتمام العسكري الأميركي على ساحة جديدة، في وقت تعتبر فيه واشنطن حربها مع إيران المعركة الأكثر أهمية.

جبهة لا يريد ترامب فتحها

لم يعد ترامب يواجه المشكلة نفسها التي كانت قائمة عام 2025، أي الخوف من أن تقود الحرب مع الحوثيين إلى مواجهة مباشرة مع إيران. لكن تجربة تلك الحملة أظهرت أن القوة العسكرية الأميركية قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بالحوثيين من دون أن تكون قادرة بالضرورة على هزيمتهم.

وبالتالي، لا تكمن المعضلة بالنسبة إلى ترامب في القدرة على شن الهجمات، بل في تكلفة فتح جبهة عسكرية جديدة.

وتحاول واشنطن في الوقت نفسه التعامل مع الحرب مع إيران، والحفاظ على أمن الملاحة في مضيق هرمز، وإدارة مواردها العسكرية، ومنع تحول اليمن إلى حرب طويلة جديدة.

ولهذا يبدو الرد الأميركي الحالي على تقدم الحوثيين أقرب إلى نموذج محدود: توفير المعلومات وتحديد الأهداف من جانب الولايات المتحدة، بينما تتولى السعودية وحلفاؤها اليمنيون العمليات العسكرية.

وقد يتغير هذا النهج إذا واصل الحوثيون توسيع نطاق سيطرتهم، لكن ترامب اختار في الوقت الراهن عدم تحويل جبهة باب المندب إلى حرب مباشرة جديدة للجيش الأميركي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى