“اتفاقية مكة” أمام أول اختبار عسكري.. الرياض تتجه إلى لندن وتل أبيب

ما كان التزاماً مجرداً على الورق تحول، بعد شهر واحد بالضبط إلى اختبار عملي محفوف بالمخاطر

ميدل ايست نيوز: في 7 أغسطس/آب 2026، وقف ثلاثة قادة إقليميين جنباً إلى جنب في مكة لتوقيع وثيقة سرعان ما أُطلقت عليها تسمية طموحة. فقد وقّع رجب طيب أردوغان ومحمد بن سلمان وشهباز شريف اتفاقاً دفاعياً مشتركاً ينص على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعد هجوماً على الدول الثلاث مجتمعة. وكان تشبيه الاتفاق بالمادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي (الناتو) أمراً لا مفر منه، وسرعان ما أطلقت وسائل الإعلام الإقليمية والدولية عليه اسم «الناتو الإسلامي»؛ وهو وصف، رغم مبالغته الواضحة، يعكس جيداً الطموح الرمزي لهذه الوثيقة.

وكتب المحلل السياسي الإيراني فرشيد خسرواني في مقال رأي بموقع “دبلوماسي إيراني” بعد ذلك بقليل، اجتمع وزراء وقادة عسكريون من الدول الثلاث في إسطنبول في 31 أغسطس/آب، لوضع إطار لأمانة عامة دائمة في السعودية، وترسيخ التعاون في مجال تكنولوجيا الدفاع. وتحدث أردوغان، على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان، عن مفهوم «الردع الجماعي»، في عبارة بدت وكأنها تهدف إلى تبديد الشكوك الأولية بشأن مدى عمق هذا الالتزام.

لكن ما كان التزاماً مجرداً على الورق تحول، بعد شهر واحد بالضبط، في فجر 8 سبتمبر/أيلول، إلى اختبار عملي محفوف بالمخاطر. فقد أطلقت قوات الحوثيين المدعومة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في أحدث وأوسع جولات القتال الأخيرة، موجة من الطائرات المسيّرة والصواريخ باتجاه مدن جنوب السعودية.

باكستان بين اتفاقية مكة والحذر من حرب مع الحوثيين

وجاء الهجوم بعد أسابيع من تصاعد المواجهات بين الحوثيين والقوات المدعومة من السعودية، ما أدى عملياً إلى انهيار وقف إطلاق النار المستمر منذ أربع سنوات في اليمن. وردت الرياض بشن هجمات مضادة على مواقع الحوثيين في البحر الأحمر. لكن السؤال الرئيسي الذي طُرح فوراً في الأوساط التحليلية والإعلامية كان: أين أصبح «ميثاق مكة» الذي كان يفترض أن يكون آلية شبيهة بالمادة الخامسة للناتو؟

وكان رد تركيا وباكستان، رغم إلحاح الهجوم وشدته، لا يتجاوز الإدانة الدبلوماسية. فقد أدانت وزارة الخارجية التركية الهجمات في بيان، وقالت إن مثل هذه الأعمال تقوض الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي ومستدام في اليمن، ودعت الحوثيين إلى وقف اعتداءاتهم. لكن البيان لم يكن بأي حال من الأحوال مؤشراً على دخول أنقرة عملياً إلى جانب الرياض، رغم أن تركيا لديها حالياً قدرات عسكرية محدودة منتشرة في المنطقة.

أما رد إسلام آباد فكان مثالاً أوضح على الفجوة بين البيان والتحرك. فعندما سُئل المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، سجاد حيدر خان، خلال مؤتمره الصحفي الأسبوعي، عن كيفية اعتزام باكستان الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاق المشترك مع تركيا والسعودية، اكتفى بالقول إن بلاده ستتصرف، في الوقت المناسب، وفقاً للاتفاق؛ وهو رد لم يتضمن أي تفاصيل عملياتية. والأكثر إثارة للاهتمام أن باكستان، رغم امتلاكها اتفاقاً ثنائياً منفصلاً وملزماً مع الرياض، هو اتفاق سبتمبر/أيلول 2025 نفسه، أعلنت أنها لم تتلق أي طلب رسمي من السعودية للتدخل. واكتفت إسلام آباد، التي تؤدي في الوقت نفسه دور الوسيط في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بمطالبة طهران بضبط حلفائها اليمنيين.

ويتناقض هذا الصمت العملياتي بشكل واضح مع المثال التاريخي الذي أحال إليه محللون مراراً. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2015، عندما أسقطت تركيا مقاتلة روسية بذريعة انتهاك مجالها الجوي، سارعت أنقرة إلى طلب عقد اجتماع طارئ للناتو، وقدم هذا التحالف الفعلي دعماً عملياً لحليفته من خلال تعزيز الدفاعات الجوية وإضافة قدرات جوية وبحرية. وفي المقابل، عندما سُئل مسؤول مطلع عن رد فعل الناتو على الانتهاكات المتكررة للمجال الجوي لأعضائه من جانب الطائرات المسيّرة الروسية، بما في ذلك حادثة في مطار لايبزيغ-هاله بألمانيا في 4 أغسطس/آب، كان رده بمثابة تلميح ساخر إلى القضية برمتها: مقارنة أظهرت ضمنياً مدى ابتعاد «ميثاق مكة» حتى عن معايير ناتو حقيقي ومتكامل.

الصحافة الإيرانية: هل تمهد «اتفاقية مكة» لظهور هيكل أمني إقليمي جديد في غرب آسيا؟

وبالطبع، يقتضي الإنصاف قراءة هذا التقييم بمزيد من الحذر أيضاً. فقد حذر بعض المحللين، ومن بينهم كتاب في تقارير تحليلية لوسائل إعلام إقليمية، من أن الحكم على اتفاق حديث التأسيس استناداً فقط إلى غياب رد عسكري فوري ليس منصفاً تماماً؛ إذ ينبغي التساؤل عما إذا كانت الالتزامات الدفاعية لهذا الاتفاق قد دخلت بالفعل حيز التنفيذ، وما إذا كانت الآليات اللازمة لتطبيقه قد أُنشئت، وما إذا كان مستوى التضامن السياسي بين أعضائه كافياً.

ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار بيانات الإدانة الصادرة عن تركيا وباكستان مؤشراً إلى تضامن سياسي، وإن لم يكن من طبيعة التضامن العملياتي. ويؤكد خبراء عسكريون أيضاً أن قدراً كبيراً من التطوير المؤسسي، ولا سيما في مجال التخطيط المشترك بين الجيوش وقابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة للدول الثلاث، لا يزال يتعين إنجازه، وأن على الدول الأعضاء وضع إجراءات واضحة للتعامل مع التهديدات الصادرة عن جهات حكومية وغير حكومية.

وبعبارة بسيطة، فإن ما جرى توقيعه في مكة لا يزال إطاراً عاماً، وليس قيادة عسكرية موحدة؛ ولا تزال تفاصيل مثل المساعدة في مجال الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخبارية، أو حماية المنشآت والعمليات البحرية السعودية، غير واضحة.

لكن بعيداً عن هذا التقييم الحذر، فإن الواقع الميداني يقول شيئاً آخر. ففي الوقت الذي كانت فيه الرياض تتعرض للهجوم، اكتفى حلفاؤها المسلمون في الغالب بردود فعل دبلوماسية، بينما لجأت الرياض، بالتوازي مع هذا الصمت العملياتي من جانب حلفائها المقربين، إلى مسارين مختلفين تماماً، وكلاهما أكثر دلالة من أي بيان. المسار الأول كان لندن. فبحسب تقرير لبلومبرغ، طلبت السعودية من بريطانيا المساعدة في كل من دفع الحوثيين بعيداً عن مضيق باب المندب والدفاع عن منشآتها النفطية. ووافق رئيس الوزراء البريطاني، آندي برنهام، الذي لم يكن قد اتخذ بعد قراراً نهائياً بشأن إرسال مساعدات إضافية، على إرسال مستشارين عسكريين بريطانيين لمساعدة السعودية. وحذر مسؤولون بريطانيون برنهام من أن مضيق باب المندب حيوي للتجارة العالمية والاقتصاد البريطاني، وأنه لا ينبغي السماح للحوثيين بالسيطرة على هذا الممر؛ وهو قلق يتجاوز التضامن السياسي ليشمل مصالح اقتصادية مباشرة للندن. كما أكد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي مع نظيره البريطاني إد ميليباند، ضرورة تعزيز الجهود المشتركة لضمان أمن وحرية الملاحة في مياه المنطقة.

الصحافة الإيرانية: اتفاقية مكة… أمن مستعار أم تحذير للغرب؟

أما المسار الثاني، والأكثر دلالة بلا شك من الناحية الجيوسياسية، فهو توجه الرياض السري، وإن كان متزايداً، نحو إسرائيل. فبحسب تقارير نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، أجرت السعودية وإسرائيل، بوساطة القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، محادثات بهدف مساعدة الرياض على الدفاع عن نفسها في مواجهة الحوثيين من خلال التعاون الاستخباري. ووفقاً لهذه المصادر، طلب محمد بن سلمان، بصورة غير مباشرة وعبر سنتكوم، مساعدة استخبارية من إسرائيل؛ وهو إجراء يُعد، في ظل غياب علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين، نموذجاً غير معتاد للتعاون من وراء الكواليس. وكان الجيش الإسرائيلي قد أظهر في وقت سابق قدراته الاستخبارية والعملياتية في منطقة مضيق هرمز، من خلال مساعدة الولايات المتحدة على تحديد مواقع القوات الإيرانية.

وما يجعل هذا التحول يتجاوز مجرد إجراء تكتيكي هو البعد الاستراتيجي الكامن وراءه. فبحسب مصادر مطلعة، في الوقت الذي لن تتعجل فيه إسرائيل الانخراط بنشاط في هذه الأزمة بسبب مخاوفها من احتمال استئناف الحوثيين هجماتهم الصاروخية وبالطائرات المسيّرة عليها، يمكن لهذه الأزمة نفسها أن تمثل فرصة لإعادة السعودية إلى مسار تقارب أكبر مع إسرائيل، وإظهار قدرة إسرائيل على مواجهة إيران وشبكة وكلائها، ومنح محمد بن سلمان حجة قوية في مواجهة المعارضين الداخليين لمسار التقارب مع إسرائيل.

ومع ذلك، ينظر بعض الخبراء إلى هذا المسار بمزيد من الحذر. ويرى أحد الباحثين، الذي تحدث إلى صحيفة «ذا بوست» هذا الأسبوع، أنه رغم سعي الرياض إلى توسيع تبادل المعلومات الاستخبارية والمساعدة العسكرية في الحرب مع الحوثيين، فمن غير المرجح أن تجد إسرائيل فرصة لتحسين العلاقات مع السعودية بصورة ملموسة، لأن الرياض لا تزال تربط رسمياً تطبيع العلاقات بإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وقال إن السعودية، رغم احتلالها المرتبة الخامسة والعشرين في مؤشر القوة العسكرية العالمي من أصل 145 دولة، ازدادت اعتماداً على واشنطن خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، ولا تمتلك عملياً قدرات عسكرية مستقلة كبيرة؛ وهو ما يفسر، بحسب رأيه، سبب انتهاء حربها مع الحوثيين منذ عام 2015 عملياً إلى الفشل.

وفي الوقت نفسه، لا تزال المعادلة الميدانية في اليمن تتغير على حساب الرياض. فقد تكبدت القوات اليمنية المدعومة من السعودية خسائر فادحة خلال الأسابيع الأخيرة؛ وبحسب «المقاومة الوطنية» التابعة للحكومة، قُتل أكثر من 500 عنصر على الساحل الغربي لليمن خلال الأسابيع الأربعة الماضية، في حين نزح أكثر من 82 ألف شخص منذ بداية سبتمبر/أيلول. وتمكن الحوثيون من السيطرة على ميناء المخا الاستراتيجي، وكذلك جزيرة بريم الواقعة في قلب مضيق باب المندب؛ وهو تقدم منح الجماعة موقعاً أكثر قوة لتهديد الملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن.

الصحافة الإيرانية: قراءة في اتفاقية مكة الدفاعية

وتتضاعف أهمية هذا المضيق الآن، لأن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران عطلت بشدة حركة المرور عبر مضيق هرمز على الجانب الآخر من شبه الجزيرة العربية، وأصبحت الرياض تعتمد على خط أنابيب الشرق-الغرب وموانئها على البحر الأحمر لتجاوز هرمز؛ وهي بالضبط البنية التحتية التي أصبحت الآن هدفاً مباشراً لهجمات الحوثيين.

وفي خضم ذلك، يشكل صمت واشنطن اللافت جزءاً من هذا اللغز. فالولايات المتحدة، خلافاً للنمط التاريخي المتمثل في دعم الرياض في مواجهة الحوثيين، لم تُظهر حتى الآن رد فعل ملموساً بشأن الانخراط المباشر في هذه الجبهة الجديدة؛ وربما يعود ذلك إلى عدم رغبة واشنطن في فتح جبهة أخرى وسط الحرب الدائرة مع إيران. وهذا الفراغ هو تحديداً ما تحاول كل من بريطانيا وإسرائيل، كل وفق دوافعها الخاصة، ملء جزء منه.

وما يتضح من جمع هذه التطورات معاً هو صورة واضحة، وفيها قدر من المفارقة، للفجوة بين اللغة والفعل. فالاتفاق الذي وُقع في مكة، أقدس مدن العالم الإسلامي، بلغة تذكر بأكبر تحالف عسكري غربي، لم يتمكن في أول اختبار حقيقي له من حشد حتى وحدة عسكرية رمزية للدفاع المشترك. وبدلاً من ذلك، لجأت الدولة نفسها التي كان يفترض أن تقف في قلب هذا «الردع الجماعي الإسلامي»، لتأمين أمنها الفعلي، إلى خيارين لم يرد أي منهما في نص ميثاق مكة: قوة أوروبية ذات ماض استعماري في المنطقة، ودولة لا تمتلك معها حتى اليوم سفارة مشتركة. وهذا التناقض، أكثر من أي تحليل نظري، يعكس واقع القوة في الشرق الأوسط اليوم.

فالتحالفات القائمة على هوية دينية أو ثقافية مشتركة، مهما بدت مهيبة في مراسم التوقيع، تفسح المجال في لحظة الأزمة الحقيقية لحسابات باردة وصريحة من قبيل القدرات العسكرية والمصالح الاقتصادية والردع الفعلي. وقد تتحول الأمانة العامة التي يُعتزم إقامتها في الرياض يوماً ما إلى آلية عملياتية، لكن في سبتمبر/أيلول 2026، لم تكن المسافة بين الطموحات المكتوبة في مكة والواقع الدموي في ساحات جنوب السعودية أكثر وضوحاً مما هي عليه الآن.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى