دراسة: كيف تسبب التضخم وانخفاض الرواتب في تقليص مائدة الإيرانيين؟

تُظهر دراسة مؤشرات الأسعار الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني أن أسعار اللحوم ارتفعت بوتيرة أكبر مقارنة بالمواد الغذائية والسلع الأخرى.

ميدل ايست نيوز: تُظهر مراجعة إحصاءات إنفاق الأسر الإيرانية أن استهلاك السلع الغذائية التي شهدت ارتفاعات كبيرة في الأسعار واجه تراجعًا حادًا. فقد انخفض متوسط استهلاك الفرد من إجمالي اللحوم في إيران من نحو 35 كيلوغرامًا سنويًا في عام 2004 إلى نحو 25 كيلوغرامًا في عام 2024.

وخلال الفترة نفسها، تراجع استهلاك الفرد من اللحوم الحمراء من نحو 14 كيلوغرامًا في منتصف العقد الأول من الألفية إلى نحو 5 كيلوغرامات في السنوات الأخيرة. وفي المقابل، حافظت الأسر على استهلاك لحوم الدواجن عند نحو 20 كيلوغرامًا للفرد، لتعويض هذا الانخفاض، فيما ارتفعت حصة الدواجن من سلة استهلاك اللحوم من نحو 30% في ثمانينيات القرن الماضي إلى قرابة 60% في السنوات الأخيرة.

يُلاحظ هذا الاتجاه نحو الاستبدال في العديد من دول العالم أيضًا، إلا أن حدته كانت أكبر في إيران. لذلك، لا يمكن تفسير انخفاض استهلاك اللحوم الحمراء بمجرد تغير الأذواق، إذ لعب انخفاض الدخول الحقيقية للأسر وارتفاع أسعار المواد الغذائية دورًا مهمًا في هذا التغيير.

وتكشف دراسة تفاصيل مائدة الأسرة الإيرانية عن انخفاض استهلاك اللحوم خلال السنوات الماضية. فقد تراجع استهلاك الفرد من اللحوم الحمراء من نحو 14 كيلوغرامًا في منتصف العقد الأول من الألفية إلى نحو 5 كيلوغرامات في السنوات الأخيرة. واتجهت الأسر الإيرانية، لتعويض تراجع قدرتها على الحصول على اللحوم الحمراء، إلى استهلاك لحوم الدواجن.

وارتفعت حصة لحوم الدواجن من إجمالي استهلاك اللحوم من نحو 30% في ثمانينيات القرن الماضي إلى نحو 60% في السنوات الأخيرة. وتأتي حصة الدواجن البالغة 60% من استهلاك اللحوم في إيران، في وقت تقل فيه النسبة عالميًا عن 30%. كما تكشف مقارنة ترتيب إيران مع دول المنطقة والمتوسط العالمي عن موقع متراجع للبلاد في هذا المؤشر.

واستنادًا إلى بيانات الأمم المتحدة، بلغ استهلاك الفرد من اللحوم في إيران عام 2023 نحو 41 كيلوغرامًا سنويًا. وفي العام نفسه، كان استهلاك الفرد من اللحوم في إسرائيل وقطر والإمارات والسعودية وعُمان والمتوسط العالمي البالغ 65 كيلوغرامًا وتركيا ومصر ولبنان وأذربيجان أعلى من إيران. ورغم أن تقييم مستوى رفاه الأسر الإيرانية يتطلب دراسة شاملة لمجموعة واسعة من بيانات الدخل والإنفاق، فإن بعض المؤشرات الجزئية، مثل استهلاك اللحوم، يمكن أن تكون مؤشرًا جيدًا على التغيرات في مستوى الرفاه.

وتشير بيانات الإنفاق والدخل الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني إلى أن استهلاك الفرد من اللحوم في إيران انخفض بنسبة 30%، من نحو 35 كيلوغرامًا في عام 2004 إلى نحو 25 كيلوغرامًا في عام 2024. وخلال الفترة نفسها، تراجع استهلاك اللحوم الحمراء بنحو 60%، ما يعكس انخفاض حصتها من سلة استهلاك اللحوم لدى الأسر. ولم يقتصر الأمر خلال العقود الماضية على انخفاض الكمية المستهلكة من اللحوم بشكل ملحوظ، بل تغيرت تركيبة الاستهلاك أيضًا باتجاه اللحوم الأرخص سعرًا.

مقارنة مع دول العالم

وفقًا لإحصاءات الأمم المتحدة، احتلت إيران المرتبة 165 من أصل 221 دولة مسجلة في مؤشر استهلاك الفرد من اللحوم عام 2023. وسُجلت هذه المرتبة رغم أن ترتيب إيران من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أفضل. وقد يعود هذا الاختلاف إلى اختلاف الثقافة الغذائية، أو ارتفاع تضخم أسعار المواد الغذائية في إيران، أو ارتفاع مستوى عدم المساواة في توزيع الدخل. ومع ذلك، جاء ترتيب إيران أعلى من دول مثل العراق وسوريا وأفغانستان وطاجيكستان ومعظم الدول الأفريقية.

وفي العام نفسه، بلغ استهلاك الفرد من اللحوم في إيران 41 كيلوغرامًا، مقابل متوسط عالمي قدره 65 كيلوغرامًا. أي أن الفرد الإيراني استهلك في المتوسط نحو 24 كيلوغرامًا من اللحوم سنويًا أقل من المتوسط العالمي.

إضافة إلى ذلك، تختلف تركيبة استهلاك اللحوم في إيران عن مثيلتها عالميًا بشكل ملحوظ. إذ تبلغ حصة اللحوم الحمراء، بما يشمل لحوم الأبقار والأغنام والجاموس والخنازير، نحو 15% من إجمالي استهلاك اللحوم في إيران، مقابل نحو 40% عالميًا. ويعوض انخفاض حصة اللحوم الحمراء في إيران ارتفاع حصة لحوم الدواجن، ولا سيما الدجاج. وتبلغ حصة الدجاج في سلة استهلاك الأسر الإيرانية نحو 57%، مقابل نحو 27% عالميًا، ما يعكس ارتفاع الاعتماد على الدجاج في إيران بدرجة كبيرة.

التحول إلى السلع البديلة

إلى جانب قياس موقع إيران مقارنة بالدول الأخرى، تكتسب مقارنة وضع إيران الحالي بماضيها أهمية أيضًا. ووفقًا لبيانات الإنفاق والدخل الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني، تراجع استهلاك الفرد من اللحوم في إيران بنسبة 30%، من نحو 35 كيلوغرامًا في عام 2004 إلى نحو 25 كيلوغرامًا في عام 2024. كما انخفض استهلاك الفرد من اللحوم الحمراء من نحو 14 كيلوغرامًا في منتصف العقد الأول من الألفية إلى نحو 5 كيلوغرامات في السنوات الأخيرة.

وتتوزع هذه الكمية الأخيرة بشكل متفاوت جدًا بين شرائح الدخل، إذ إن العديد من الأسر في الشرائح الأدنى تكاد لا تحصل على اللحوم الحمراء. كذلك، شهد استهلاك الفرد من الأسماك والمأكولات البحرية تراجعًا حادًا، من نحو 5 كيلوغرامات في بداية العقد الأول من الألفية إلى نحو كيلوغرامين في السنوات الأخيرة.

وخلال الفترة نفسها، تمكنت الأسر الإيرانية من الحفاظ على استهلاك لحوم الدواجن، ولا سيما الدجاج، عند حدود 20 كيلوغرامًا سنويًا للفرد. إنه تغير في نمط الاستهلاك لم يحدث نتيجة اختيار، بل بفعل الاضطرار.

اللحوم تتفوق في ارتفاع الأسعار على منافسيها

تُظهر دراسة مؤشرات الأسعار الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني أن أسعار اللحوم ارتفعت بوتيرة أكبر مقارنة بالمواد الغذائية والسلع الأخرى. ففي الفترة من عام 2021 إلى عام 2025، ارتفعت أسعار اللحوم بنحو 5.8 أضعاف. وخلال الفترة نفسها، ارتفع مؤشر الأسعار العام بنحو 4.1 أضعاف، وأسعار المواد الغذائية 5.2 أضعاف، وأسعار السلع 4.5 أضعاف، وأسعار الخدمات 3.6 أضعاف. ومن بين جميع السلع والخدمات التي تستهلكها الأسر الإيرانية، لم تتجاوز الزيادة في الأسعار تلك المسجلة في اللحوم سوى مجموعة «الزيوت والدهون».

ويطرح ذلك سؤالًا مهمًا: لماذا ارتفعت أسعار المواد الغذائية عمومًا، واللحوم خصوصًا، بوتيرة أكبر من جميع المجموعات الأخرى؟

وجاء ارتفاع أسعار المواد الغذائية، واللحوم خصوصًا، رغم أنها كانت تحظى باهتمام خاص من الحكومة والبرلمان. وخلال العقود الماضية، كان أحد أهداف السياسات الاقتصادية في إيران يتمثل في السيطرة على أسعار السلع الأساسية. وفي نتيجة متناقضة، سجلت المواد الغذائية، باعتبارها من أكثر الاحتياجات الأساسية للمواطنين، أكبر ارتفاع في الأسعار. فكيف لم يتمكن تخصيص عملة تفضيلية رخيصة لسنوات من أجل استيراد المدخلات اللازمة لإنتاج المواد الغذائية من السيطرة على أسعار هذه المجموعة، ولو بما يتناسب مع بقية المجموعات؟

الطريق الصحيح والخاطئ للسيطرة على التضخم

ظهر التضخم المزمن والمكون من رقمين في الاقتصاد الإيراني منذ عام 1973. وبعد تصاعد الاستياء في تلك السنوات، قرر الشاه مواجهة التجار الذين يرفعون الأسعار، وبُذلت جهود واسعة لفرض رقابة حكومية مباشرة على الأسعار. وبعد الثورة أيضًا، لم يتغير النهج العام للمسؤولين في التعامل مع ارتفاع الأسعار. وإلى جانب إحداث اضطرابات واسعة في السوق، يمثل ارتفاع أسعار المواد الغذائية بوتيرة أكبر من السلع الأخرى أحد أبرز مؤشرات فشل هذا النوع من السياسات.

ويبدو أن أهم درس يمكن استخلاصه من التجربة السابقة هو أن جذور التضخم تكمن في اختلالات الموازنة والنظام المصرفي، وليس في جشع عدد من التجار الذين يرفعون الأسعار. ورغم أن الاحتكار والتخزين بهدف المضاربة والمغالاة في الأسعار تتطلب مواجهة ذكية، فإنها لا يمكن أن تكون سببًا للارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار من دون نمو السيولة النقدية.

وظهرت مؤشرات على تغير نهج السياسات في هذا المجال خلال عامي 2022 و2025، مع إلغاء العملة التفضيلية. ومع ذلك، ينبغي أن يترافق تحرير الأسعار مع سياسات تؤدي إلى خفض التضخم، بالتزامن مع مواجهة حالات الاحتكار. كما ينبغي أن تصبح سياسات توزيع الدعم أكثر استهدافًا وذكاءً، وأن توفر حماية أكبر للفئات الأكثر عرضة للضرر في المجتمع.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى