ماذا سيحدث، ومتى؟.. أسئلة الإيرانيين بين استمرار الحرب واحتمالات التسوية مع واشنطن

لم تعد هذه التساؤلات محصورة في الأوساط السياسية والأمنية، بل امتدت آثارها إلى سلوك المواطنين والأسواق والأنشطة التجارية وقرارات الاستثمار

ميدل ايست نيوز: في ظل استمرار الحرب وتضارب المؤشرات بشأن مستقبل المفاوضات بين طهران وواشنطن، يتردد في أذهان كثير من الإيرانيين سؤالان يختصران حالة القلق والترقب التي تعيشها البلاد: «ماذا سيحدث؟» و«متى سيحدث؟». ولم تعد هذه التساؤلات محصورة في الأوساط السياسية والأمنية، بل امتدت آثارها إلى سلوك المواطنين والأسواق والأنشطة التجارية وقرارات الاستثمار، وصولاً إلى الخطط الشخصية والعائلية.

وكتبت صحيفة «اطلاعات» الإيرانية أن حالة عدم اليقين المطولة باتت تلقي بظلالها على مختلف جوانب الحياة اليومية، في وقت لا يعرف فيه كثيرون ما الذي ينتظرهم في اليوم التالي. فالتاجر يتردد في شراء البضائع للشهر المقبل، والمنتج يجد صعوبة في تقدير مستقبل السوق، ورجل الأعمال لا يعرف إلى أي اتجاه ستتطور القيود التجارية والنقدية، فيما تجد الأسر نفسها أمام خيارين: التخطيط لمرحلة من الاستقرار، أو الاستعداد لاستمرار الأزمة.

في ظل هذه الظروف، لم يعد سؤال «ماذا سيحدث؟» مجرد تساؤل سياسي، بل أصبح سؤالاً يتعلق بمستقبل حياة الناس. فالحرب التي بدأت في التاسع من إسفند، شكلت نقطة تحول في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وقد أوجدت الهجمات العسكرية والردود المتبادلة واستمرار المواجهات واقعاً جديداً لا يمكن اعتباره مجرد امتداد للخلافات التي سبقت الحرب.

وأظهرت التقارير المنشورة خلال الأشهر التالية أن مستوى انعدام الثقة بين طهران وواشنطن ظل مرتفعاً، حتى بعد التوصل إلى تفاهمات وبذل جهود دبلوماسية. ففي خرداد، توصل الطرفان إلى اتفاق أولي لوقف الحرب، لكن ذلك لم يكن يعني انتهاء الخلافات الجوهرية بينهما. واستمرت لاحقاً محاولات التفاوض وإنهاء الحرب، من دون أن تنجح في ردم الهوة الواسعة بين مواقف الطرفين بشأن الملفات الرئيسية.

وفي مرداد، ظهرت تقارير متضاربة بشأن استئناف المفاوضات؛ ففي الوقت الذي تحدث فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إجراء محادثات، نفى مسؤولون إيرانيون انعقاد مفاوضات رسمية.

وهكذا، تواجه المنطقة اليوم مفارقة واضحة: الحرب مستمرة، لكن أبواب التفاوض لم تُغلق بالكامل. فهل يمكن تسوية الخلافات بين إيران والولايات المتحدة؟

خلافات عميقة.. لكن التفاوض ليس مستحيلاً

قد يبدو للوهلة الأولى أن الخلاف بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة بلغ من العمق حداً لم يعد معه هناك بديل عن المواجهة العسكرية. غير أن تجربة الأشهر الأخيرة تشير إلى أن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك.

فعلى الرغم من العداء واتساع الخلافات، دخل الطرفان في مفاوضات خلال مراحل مختلفة، وتوصلا حتى إلى تفاهمات بشأن وقف الحرب. ولذلك، لا يمكن القول إن التفاوض بات مستحيلاً من حيث المبدأ.

المعضلة الأساسية تتمثل في حجم التنازلات التي يتعين على كل طرف تقديمها مقابل الاتفاق، والتكلفة السياسية والاستراتيجية التي قد تترتب عليه.

فواشنطن تضع في حساباتها البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية والأمن الإقليمي وحركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز. في المقابل، تتمسك طهران بمسائل السيادة الوطنية والحفاظ على قدراتها الدفاعية ورفع العقوبات والحصول على ضمانات تكفل استدامة أي اتفاق مستقبلي.

وفي ظل هذه التباينات، يبدو التوصل إلى اتفاق يستطيع الطرفان قبوله أمراً بالغ الصعوبة، لكن الصعوبة لا تعني الاستحالة.

ترامب ونتنياهو.. لاعبان مؤثران في مسار الأزمة

لا يمكن بحث مستقبل الأزمة بمعزل عن دور دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فقد اعتمد ترامب في تعامله مع إيران على مسارين متوازيين، هما الضغط والتفاوض؛ فمن جهة، أبقى التهديد العسكري والضغوط الاقتصادية مطروحين، ومن جهة أخرى، تحدث في مراحل مختلفة عن استعداده للدخول في مفاوضات.

وفي الأشهر الأخيرة، أفاد مسؤولون إسرائيليون بأن ترامب ونتنياهو بحثا مجموعة من الخيارات المتعلقة بإيران، بدءاً بالدبلوماسية والضغط الاقتصادي وصولاً إلى استخدام القوة العسكرية.

لكن الحكومة الإسرائيلية تضع بدورها اعتبارات أمنية واستراتيجية خاصة في تعاملها مع الملف الإيراني، وقد اتخذت في مراحل مختلفة مواقف لا تتطابق بالضرورة مع جميع التفاهمات التي تدعمها واشنطن.

لذلك، لا يمكن اختزال معادلة الأزمة في مواجهة ثنائية بين إيران والولايات المتحدة، إذ تتداخل فيها حسابات أطراف إقليمية ودولية متعددة.

وانطلاقاً من المعطيات الراهنة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأزمة.

السيناريو الأول: مفاوضات تفضي إلى اتفاق مرحلي

يفترض هذا السيناريو أن يتوصل الطرفان إلى قناعة بأن كلفة استمرار الحرب تفوق كلفة التوصل إلى تسوية. وفي هذه الحالة، قد تبدأ المفاوضات بملفات محدودة، مثل خفض التصعيد وضمان أمن الملاحة البحرية والقضايا النووية أو رفع جزء من العقوبات.

غير أن نجاح هذا المسار يتطلب حداً أدنى من الثقة المتبادلة، وهي ثقة لا تزال محدودة للغاية في الوقت الراهن. كما يستلزم استعداد الطرفين للتوصل إلى تفاهمات تدريجية، بدلاً من الإصرار على حسم جميع الخلافات دفعة واحدة.

السيناريو الثاني: حرب استنزاف بالتوازي مع استمرار التفاوض

قد يكون هذا السيناريو الأكثر تعقيداً، إذ لا تتوقف الحرب بصورة كاملة، فيما تظل قنوات الاتصال الدبلوماسي مفتوحة.

وفي ظل هذا الاحتمال، يسعى كل طرف إلى مواصلة الضغط العسكري والسياسي على خصمه، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بإمكانية التوصل إلى اتفاق مستقبلي.

وتعكس المؤشرات المتداولة هذا التداخل بين المسارين؛ فالتصعيد والتهديدات المتبادلة يستمران، بالتزامن مع محاولات لإحياء الحوار والبحث عن مخرج دبلوماسي للأزمة.

ويعني هذا السيناريو استمرار حالة عدم اليقين، من دون حرب شاملة بالضرورة أو تسوية نهائية، الأمر الذي قد يطيل أمد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على إيران والمنطقة.

السيناريو الثالث: تجدد التصعيد العسكري

يبقى احتمال تصاعد المواجهة قائماً أيضاً. فقد يؤدي تعثر المفاوضات، أو وقوع سوء تقدير أمني، أو اعتقاد أحد الأطراف بأن خصمه يسعى إلى تغيير موازين القوى على نحو يضر بمصالحه، إلى استئناف العمليات العسكرية على نطاق أوسع.

لكن من المهم الإقرار بأنه لا يمكن الجزم بموعد اندلاع مواجهة جديدة، أو حتى التأكد من أنها ستندلع أساساً. فأي توقع حاسم في هذا الشأن يظل أقرب إلى التخمين منه إلى التحليل القائم على معطيات مؤكدة.

وماذا عن الناس؟

وسط هذه الحسابات المعقدة، غالباً ما يتراجع السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى المواطنين إلى مرتبة ثانوية: ماذا يحتاج الناس في حياتهم اليومية؟

فالمواطن الإيراني لا يحتاج بالضرورة إلى تحليل شامل للسياسة الخارجية، بقدر ما يريد معرفة ما إذا كان يستطيع اتخاذ قراراته بشأن المستقبل.

يريد صاحب المتجر أن يعرف ما إذا كان ضخ أمواله في السوق قراراً آمناً، ويسعى المنتج إلى تحديد ما إذا كان بإمكانه وضع خطة عمل للأشهر الستة المقبلة، فيما تحاول الأسر تقدير قيمة مدخراتها في ظل التقلبات الاقتصادية. أما الشباب، فيواجهون أسئلة تتعلق بمستقبلهم المهني، وما إذا كان من الممكن بناء حياتهم داخل إيران أم أن عليهم التفكير في الهجرة.

في نهاية المطاف، ينبغي للسياسة الخارجية والحسابات الأمنية أن تنعكس على هذه الأسئلة المعيشية. ولذلك، ربما يكون الأجدى، بدلاً من الاكتفاء بالسؤال «ماذا سيحدث؟»، أن يُطرح سؤال آخر أكثر ارتباطاً بالواقع: ما القرارات التي ستُتخذ، وما انعكاساتها على حياة الناس؟

فمستقبل الأزمة لا يتوقف على القدرات العسكرية الإيرانية والأميركية والإسرائيلية فحسب، بل يتأثر أيضاً بالقرارات السياسية، ومدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات، ودور الوسطاء، والظروف الاقتصادية، والتطورات الإقليمية.

وفي هذا السياق، فإن دعوة الصين طهران وواشنطن إلى ضبط النفس والعودة إلى مسار الحوار تعكس اتساع نطاق الأزمة، التي لم تعد تقتصر على خلاف ثنائي، بل باتت تداعياتها تمتد إلى أمن الطاقة والتجارة العالمية.

«متى تنتهي الأزمة؟».. سؤال بلا موعد محدد

أما الإجابة الصادقة عن سؤال «متى؟»، فهي أنه لا يمكن تحديد موعد دقيق لانتهاء هذه الحالة من عدم اليقين.

لكن ما يمكن قوله إن استمرار الحرب سيؤدي إلى زيادة تكاليفها الاقتصادية والاجتماعية على شعوب المنطقة ودولها، وإن اتساع الفجوة بين التهديدات العسكرية والمسار التفاوضي سيطيل أمد الضبابية ويزيد صعوبة التخطيط للمستقبل.

فالأسواق العالمية للطاقة تتابع بدورها التطورات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، فيما يبرز التراجع الحاد في حركة السفن عبر هذا الممر حجم التداعيات الاقتصادية للأزمة، وأهمية التوصل إلى ترتيبات تضمن استقرار الملاحة والتجارة.

وربما لا تزال الإجابة عن سؤال «ماذا سيحدث، ومتى؟» غائبة عن جميع العواصم المعنية، سواء في طهران أو واشنطن أو تل أبيب. لكن ما يبدو واضحاً هو أن استمرار حالة عدم اليقين تحوّل بحد ذاته إلى مشكلة تؤثر في حياة الناس وقدرتهم على التخطيط.

فالمواطنون يريدون، قبل كل شيء، أن يعرفوا كيف سيكون الغد. والدولة التي يعجز سكانها عن التخطيط لحياتهم خلال الأشهر المقبلة ستظل تواجه تحدياً داخلياً كبيراً، حتى لو حققت مكاسب في الميدان العسكري. إنه تحدي المستقبل، بما يحمله من استقرار اقتصادي واجتماعي وثقة بالقدرة على مواصلة الحياة بصورة طبيعية.

ولعل هذا ما يفسر تكرار السؤال نفسه في الشوارع والأسواق وأماكن العمل والبيوت:

ماذا سيحدث؟ ومتى؟

إن الإجابة عن هذين السؤالين لن تتحدد بالتوقعات وحدها، بل بالقرارات التي ستُتخذ خلال الأيام والأشهر المقبلة في غرف المفاوضات ومراكز صنع القرار.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى