من الصحافة الإيرانية: الولايات المتحدة واستراتيجية استهداف الحلقة الأضعف

تغيرت اليوم مكانة إيران جذرياً، إذ تُقدَّم الآن على أنها الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للضغط. سنوات من العقوبات القصوى أنهكت اقتصادها، وجعلتها رهينة للواردات الصينية ولتسويق نفطها بتخفيضات حادة.

ميدل ايست نيوز: بناء الخطاب في السياسة الخارجية أداة محورية لتحويل المفاهيم الأخلاقية والأمنية إلى سياسات عملية. وهنا أظهرت الولايات المتحدة، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ولا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، كيف أن توصيف العدو (مثل “محور الشر” أو “الحرب على الإرهاب”) يمكن أن يحشد الرأي العام والإعلام والنخب باتجاه أهداف استراتيجية وضعتها واشنطن. واليوم، تسعى واشنطن عبر إعادة صياغة أوسع — من خلال تقديم شبكة من الفاعلين السلطويين (إيران، روسيا، الصين وكوريا الشمالية) — إلى وضع إطار شامل لاحتواء منافسة القوى الكبرى وإدارة التهديدات الإقليمية.

أهمية بناء الخطاب في السياسة الخارجية الأمريكية

وقال رضا تقوي نجاد، خبير في الشؤون الدولية والسياسة الخارجية الأمريكية، في مقال نشره موقع دبلوماسي إيراني، إن قوة بناء الخطاب في السياسة الخارجية الأمريكية تتجاوز كونه أداة بسيطة، إذ يشكّل آلية استراتيجية لتبرير التدخلات العسكرية، وحشد الرأي العام الداخلي، وإضفاء الشرعية على السياسات الدولية. من خلال هذا المسار، تستطيع واشنطن تبسيط تعقيدات الجغرافيا السياسية إلى سردية ثنائية أخلاقية واضحة تحدد موقع “الخير” و”الشر”. وقد بلغت هذه الاستراتيجية ذروتها بعد هجمات 11 سبتمبر، عندما أصبح خطاب “الحرب على الإرهاب” الإطار الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية. هذا الخطاب تأسس على الخوف والغضب الشعبي، وحوّل أي عمل عسكري إلى معركة أخلاقية ضد تهديد غير مرئي وغير قابل للتفاوض، فاتحاً المجال أمام التدخل في دول لم يكن لها صلة مباشرة بالهجمات. في هذا السياق، صنّف الرئيس جورج دبليو بوش إيران والعراق وكوريا الشمالية ضمن “محور الشر”، وهو توصيف استند إلى مفاهيم أخلاقية سهّل تبرير هجمات محتملة في المستقبل.

إيران في محور الشر عند بوش: قوة إقليمية محصورة

مطلع عام 2000، صُوّرت إيران في “محور الشر” على أنها الحلقة الأقوى والأصعب استهدافاً، بخلاف العراق الذي كان يملك جيشاً كلاسيكياً هشاً جعل منه هدفاً مباشراً للهجوم الأمريكي. أما إيران، فبفضل عمقها الاستراتيجي واتساعها الجغرافي وقدراتها العسكرية غير المتماثلة، شكّلت تحدياً أكثر تعقيداً. الجيش الإيراني استند إلى قدرات صاروخية، وقوة بحرية غير تقليدية في مضيق هرمز، وقدرة على خوض حروب بالوكالة، ما جعل أي هجوم مباشر عليه مكلفاً للغاية. إلى جانب ذلك، امتلكت إيران شبكة واسعة من الحلفاء غير الحكوميين مثل حزب الله في لبنان، وفصائل شيعية في العراق، وحماس في فلسطين، وهو ما وفر لها أداة لنشر نفوذها الإقليمي دون الدخول في مواجهة مباشرة. هذه الشبكة كانت بمثابة رادع قوي لأي غزو، لأنها قد تحوّل أي اعتداء على إيران إلى حرب إقليمية شاملة.

لهذه الأسباب، اتجهت واشنطن نحو سياسة الاحتواء والضغط عبر العقوبات ودعم المعارضة بدلاً من المواجهة المباشرة. تمثلت الاستراتيجية الأمريكية حينها في ضرب “الحلقة الأضعف” أولاً، أي العراق، من أجل ترسيخ نفوذها في المنطقة تمهيداً للتعامل مع إيران لاحقاً. ما يعني أن إيران لم تكن هدفاً للتدمير الكلي، بل تهديداً إقليمياً ينبغي منعه من التحول إلى قوة نووية. أي أن الهدف كان “احتواء” إيران، لا “تفكيكها”، لأن تكلفة ذلك بدت أضعاف فوائدها.

مكانة إيران في “محور الاستبداد” الجديد: الحلقة الأضعف والمبكرة

تغيّر اليوم الخطاب الأمريكي ليركّز على منافسة القوى الكبرى، خصوصاً روسيا والصين. وفي هذا السياق الجديد، تُوضع إيران إلى جانب كوريا الشمالية كشريك ثانوي ضمن “محور الاستبداد”. لكن مكانتها تغيّرت جذرياً، إذ تُقدَّم الآن على أنها الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للضغط. سنوات من العقوبات القصوى أنهكت اقتصادها، وجعلتها رهينة للواردات الصينية ولتسويق نفطها بتخفيضات حادة. هذه التبعية دفعت إيران إلى موقع تابع للقوى الكبرى مثل الصين وروسيا، وحوّلتها من منافس مستقل إلى شريك أدنى. وعلى عكس الصين وروسيا اللتين تملكان اقتصادات قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية، يبقى الاقتصاد الإيراني هشاً للغاية.

في هذا المحور الجديد، يقتصر دور إيران أساساً على كونها مزوداً منخفض التكلفة لروسيا والصين. فنقل الطائرات المسيّرة والصواريخ إلى موسكو لاستخدامها في حرب أوكرانيا يعكس هذا الدور، ناهيك عن عرض تقنياتها العسكرية ذات الكلفة المنخفضة مقارنة بالأسلحة الروسية والصينية، مقابل الحصول على دعم سياسي وربما تقني. وبالمقارنة مع القدرات النووية والعسكرية لروسيا والصين، تصبح إيران لاعباً هامشياً. من هذا المنطلق، تراها الولايات المتحدة مجرد أداة في يد قوى أكبر توسّع نفوذها عبرها في المنطقة.

وبناء على هذا التصور، فإن إيران تُعتبر أضعف نقطة في هذا التحالف، وأحد الأهداف الرئيسية لتقويضه بالكامل. فالولايات المتحدة لا تستطيع توجيه ضربة مباشرة مؤثرة للصين أو روسيا دون المخاطرة بحرب شاملة قد تأخذ أبعاداً نووية، لذا يبقى استهداف “الحلقة الأضعف”، أي إيران، الخيار الأكثر منطقية. فسياسة “الضغط الأقصى” والعمليات السرية الحالية تهدف إلى شل القدرات الاقتصادية والعسكرية الإيرانية ومنعها من لعب دور فعّال في هذا المحور الجديد. بهذه الطريقة، تسعى واشنطن إلى تحييد خصم تاريخي وإرسال رسالة ردع لموسكو وبكين بأن التحالف معهما مكلف. هذه الاستراتيجية تُظهر أن الهدف الأمريكي لم يعد مجرد “احتواء” إيران، بل إضعافها بالكامل وإسقاط موقعها كحلقة استراتيجية في “محور الاستبداد”.

خلاصة

ثلاثة عوامل رئيسية تدفع صناع القرار الأمريكيين إلى انتهاج “ضغط مركز” على إيران بدل خيار التدمير الكامل: 1) تجربة العراق وأفغانستان وما تسببت به من كلفة مالية وبشرية وفشل في بناء الدول، 2) المخاطر الإقليمية والدولية الناجمة عن فراغ السلطة وردود فعل الحلفاء، 3) الحسابات الاستراتيجية في مواجهة القوى الكبرى، حيث إن خوض حرب شاملة يعقّد التوازن مع الصين وروسيا. لذلك، يعتمد النموذج المفضل لواشنطن على مزيج من العقوبات الموجهة، والضغط الدبلوماسي، والعمليات الاستخبارية/السيبرانية، وتقييد القدرات المحددة (كالبرنامج النووي أو الصاروخي)، دون الانجرار إلى عملية عسكرية شاملة لإسقاط النظام السياسي. الوثائق الرسمية والدراسات الاستراتيجية الأمیركية تعكس هذا النهج المركّب.

في النهاية، يُظهر هذا التحليل المقارن أن مكانة إيران في الخطاب الأميركي تحوّلت من “قوة رادعة يصعب احتواؤها” في مطلع الألفية، إلى “حلقة ضعيفة وهشة”. هذا التحول يفرض تداعيات استراتيجية على طهران: فإذا لم تستطع الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي عن الصين وروسيا، ستظل في المخيال الأميركي “الحلقة القابلة للكسر”. في المقابل، فإن تعزيز الردع المستقل وتقليل التبعية الاقتصادية يمكن أن يرفع مكانة إيران من “أداة” إلى “فاعل” حقيقي في الساحة الدولية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى