الدروس الخمسة لابن سينا.. هكذا يتردد صداها في حضارتنا المعاصرة

الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية لحياة الطبيب الإيراني ابن سينا، من تأليف الباحث عمر مرزوق الذي يحمل الدكتوراه في الفلسفة.

ميدل ايست نيوز: هل تبحث عن كتاب حديث يغوص في حياة الطبيب الفيلسوف ابن سينا؟ عليك بكتاب “ابن سينا أو إسلام الأنوار” (Avicenne ou l’islam des Lumières)، الصادر في مارس/آذار 2021.

الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية لحياة الطبيب الإيراني ابن سينا، من تأليف الباحث عمر مرزوق الذي يحمل الدكتوراه في الفلسفة، ويدرّس الفلسفة الإسلامية والحضارة في معهد الغزالي لتدريب أئمة المسجد الكبير بباريس.

وفي القرنين الميلاديين 12 و13، أعاد الأوروبيون اكتشاف الفيلسوف اليوناني القديم أرسطو (384-322 ق.م) ولكن ليس عبر قراءة نصوصه مباشرة وإنما بفضل ترجمة المخطوطات العربية من خلال العالمين المسلمين ابن سينا ​​وابن رشد، بحسب تقرير سابق لموقع “لوبس” (L’OBS) الفرنسي.

وفي مدونة نشرها موقع “ميديا بارت” (Le Club du Mediapart) الفرنسي، يقول الكاتب باسكال مايار إن أكثر ما يميز هذا العمل هو تمكّن عمر مرزوق من خلق توازن بين البحث الأكاديمي وتأليف قصة يسهل على أي شخص قراءتها وفهم تفاصيلها، في هذه السيرة الذاتية التي يسرد فيها أطوار حياة الطبيب والشاعر والفيلسوف ابن سينا (370-427 للهجرة/ 980-1037 للميلاد) الملقب بالشيخ الرئيس.

وذكر الكاتب أن عمر مرزوق راوح بين وصف رحلات هذا الفيلسوف العديدة عبر العالم الإسلامي وتفسير رؤيته الفلسفية، ليجعل القراء بذلك يتخيّلون المدن والمناظر الطبيعية والناس، وفي نفس الوقت يستوعبون أفكار الطبيب الفيلسوف أبي علي الحسين البلخي البخاري المعروف باسم “ابن سينا”، وعند الغرب باسم “آفيسين” (Avicenne).

من خلال هذه السيرة الذاتية لعالم مسلم عاش قبل حوالي 10 قرون، يتردد صدى فكر العالم الإيراني بقوة في حاضرنا، ويزخر هذا الكتاب بالدروس التي نحتاجها لعصرنا الحالي، وأبرزها 5 دروس تطرق لها هذا التقرير.

التمازج بين الأجيال والارتباط بالحقيقة

ذكر الكاتب أن أول درس يمكن للقارئ تعلمه هو فضيلة التمازج بين الأجيال التي نفتقر إليها بشدة في عصرنا، وهذا ما نكتشفه من خلال مسيرة ابن سينا وحياته وما مرّ به من تجارب وتحديات، ومن قابلهم من أشخاص وما خاضه من رحلات.

في شبابه، صقل شخصيته وهذّب روحه من خلال اتصاله “بالطاجيك والهندوس والأفغان والتتار والتركمان والعرب واليهود والفرس”، وكان لمسقط رأسه مدينة بخارى (في أوزبكستان حاليا) الفضل أيضا فيما وصل إليه، لأنها كانت مدينة تعرف بالترحيب “بالعلوم الغريبة”. وعلى هذا النحو، تمكن من تهجين فكره وثقافته فيما يسميه عمر مرزوق “الروح السامية والعبقرية اليونانية”.

يتمثل الدرس الثاني في الارتباط بالحقائق والحقيقة الذي لا يمكن أن ينشأ إلا من خلال إعمال العقل. وقد عاش في زمن الأزمات والانقسامات وتصادم التعصب بالعقلانية. ويوضح عمر مرزوق كيف عارض هذا الفيلسوف الخرافات من خلال التفكير المنطقي، وابتعد عن الابتذال من خلال اختيار أكثر اللغات روحانية وسموا.

ترابط المعرفة وتبادل الأدوار والسياسة

يكمن الدرس الثالث لابن سينا، والذي يتردد صداه في كتاب عمر مرزوق، في ترابط المعرفة. فقد تطرق المؤلف إلى توْق الفيلسوف الشاب للمعرفة خلال سنوات تكوينه، ومدى قدرته على استيعاب العديد من مجالات المعرفة، منها الطب وعلم الفلك والمنطق والفيزياء والفلسفة إلى جانب الفنون والآداب. وبالنسبة لابن سينا، فإن اقتصار المعرفة على علم واحد فقط فيه خراب للروح.

وبحسب ابن سينا، فإن المعرفة الأصيلة قائمة على نظرة شاملة ورفض كل الثنائيات والفصل بين التخصصات. بعبارة أخرى، لا يمكن فصل الطب عن الفلسفة، والسياسة عن الأخلاق. وتنطبق تلك النظرية لابن سينا على الأدب أيضا، إذ نظم كتابه الضخم “القانون في الطب” في أرجوزة كانت نسخة مختصرة منه.

أما الدرس الرابع وفقا لابن سينا، فهو إمكانية تبادل الأدوار بين الفيلسوف والطبيب، إذ تعتبر الفلسفة علاجا للروح بينما لا يمكن الاستغناء عن الطب في حياتنا، وذلك ما تطرق إليه في “كتاب الشفاء”.

وليس من المستغرب أن يكون ابن سينا من أوائل الأطباء الذين أكدوا البعد النفسي الجسمي لبعض الأمراض، ويمكن إسقاط بعض الأفكار في كتابه “القانون في الطب” على عالمنا المعاصر، على غرار أن التطبيق عامل أساسي لتصحيح الأخطاء النظرية، وأهمية النظافة، وتأثير المناخ على الصحة، واعتبار جودة الهواء من عوامل انتقال العدوى.

ويتمحور الدرس الخامس لابن سينا حول ما يحفز الرجل أو المرأة على الانخراط في السياسة، وهو ما فعله الطبيب والفيلسوف. هذا الدرس لخصه عمر مرزوق بقوله إن التحفيز لا يكون من خلال “تعزيز الطموحات السياسية أو التخطيط من أجل نيل منصب معين، وإنما في حسن الاستعداد لتحمل هذه المسؤولية وإتاحة الظروف المناسبة لذلك”.

وقد كان تشبع ابن سينا بالفلسفة هو الدافع وراء قبوله منصب الوزير، فقد كان مقتنعا بأن إدارة الدولة يجب أن تكون مدعومة بمعرفة عميقة للإنسان. ويذكر مرزوق في كتابه أنه “لا يوجد سوى اختلاف في الدرجة بين إدارة الشؤون السياسية والتحكم في الذات”، ولعل هذا الدرس هو الأكثر أهمية في وقتنا الحالي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 + سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى