الصحافة الإيرانية: طهران تراقب التباين الأميركي–الإسرائيلي وتترقب مآلات المرحلة المقبلة

من المرجح أن يربط نتنياهو موافقته على بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة بحصوله على دعم ترامب لمواجهة البرنامج الصاروخي الإيراني.

ميدل ايست نيوز: عُقدت أول جلسة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لمراجعة الملف النووي الإيراني بعد تفعيل آلية الزناد. ووفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2232، يتعيّن على المجلس أن يعقد اجتماعًا كل ستة أشهر بشأن البرنامج النووي الإيراني، وأن يرفع نتائج هذا الاجتماع إلى الأمين العام للأمم المتحدة.

وقال الصحفي والخبير في الشؤون السياسية، أحمد زيد آبادي، في مقال على صحيفة هم ميهن، إن كل من الصين وروسيا ترى أن عقد مثل هذه الاجتماعات «غير قانوني» بسبب إلغاء الاتفاق النووي، إلا أن الجلسة عُقدت بناءً على طلب الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وعدد من الدول الأوروبية.

وخلال جلسة مجلس الأمن، كرر ممثلو الدول الأعضاء مواقفهم المعلنة حيال الملف النووي الإيراني. ومن جانب الحكومة الأميركية، شاركت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الخاص لدونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، في الجلسة، حيث دعت إيران إلى «مفاوضات مباشرة وذات مغزى» مع الولايات المتحدة، وأكدت بلهجة تهديدية أن على الجمهورية الإسلامية أن تصافح يد دبلوماسية دونالد ترامب و«تبتعد عن النار».

ولم تتطرق أورتاغوس في تصريحاتها إلى برنامج الصواريخ الإيراني، لكنها اعتبرت أن شرط التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران هو قبول الجمهورية الإسلامية بمبدأ «التخصيب بنسبة صفر في المئة». وفي المقابل، رحّب أمير سعيد إيرواني، مندوب الجمهورية الإسلامية لدى الأمم المتحدة، بأي مفاوضات «عادلة وذات مغزى» مع الأطراف الغربية، لكنه اعتبر شرط «التخصيب بنسبة صفر في المئة» مخالفًا لحقوق إيران المنصوص عليها في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ورفضه بشكل قاطع.

وعلى الرغم من تأكيد الطرفين على ضرورة إجراء مفاوضات «ذات مغزى»، فإن آفاق جلوس ممثليهما على طاولة المفاوضات لا تزال قاتمة، ولا تظهر أي مؤشرات على استئناف الحوار في المستقبل القريب، على الأقل في إطار الدبلوماسية العلنية. ويأتي ذلك في وقت قيّمت فيه وسائل إعلام إقليمية ودولية تأثير اللقاء المرتقب بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، الأسبوع المقبل في ولاية فلوريدا، على مستقبل العلاقات بين طهران وواشنطن على أنه بالغ الأهمية.

وبحسب تقرير لـ «إن بي سي نيوز» الأميركية، سيحاول نتنياهو خلال هذا اللقاء استمالة موافقة ترامب على شن هجوم جديد على الأراضي الإيرانية. ووفقًا لما تدّعيه وسائل إعلام إسرائيلية، فإن إيران وسّعت في الأسابيع الأخيرة إنتاجها من الصواريخ الباليستية، وشرعت في أنشطة تهدف إلى استئناف تخصيب اليورانيوم.

غير أن هذه التقارير الإعلامية تبدو مبالغًا فيها ولا تنسجم مع التصريحات الرسمية. فقد أكد نتنياهو، مع إقراره بمناقشة الملف الإيراني مع ترامب، أن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في قطاع غزة تمثل القضية المحورية والأساسية في محادثاته مع الرئيس الأميركي. ووصف بعض المراقبين تصريحات نتنياهو بأنها نوع من «عملية تضليل»، إلا أن الأجواء السائدة في الشرق الأوسط تؤكد أن تركيز ترامب ونتنياهو ينصب حاليًا على وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

ويطرح دونالد ترامب خطته المؤلفة من 20 بندًا لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط وتحقيق السلام في المنطقة بوصفها أعظم إنجازاته الدبلوماسية، ويُبدي حماسة ورغبة كبيرتين لتنفيذها بالكامل. وقد جرى تطبيق المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، إلا أن الدخول في المرحلة الثانية لم يبدأ عمليًا حتى الآن.

ومن هذا المنطلق، يتعجل ترامب بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، لكنه لا يلمس رغبة مماثلة لدى حكومة نتنياهو للتعاون في هذا الشأن. ولهذا السبب، يشعر ترامب بغضب شديد من رئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني، ومن المرجح أن يظهر هذا الغضب بشكل أو بآخر خلال لقائهما في فلوريدا.

والحقيقة أن ترامب دخل البيت الأبيض في ولايته الرئاسية الثانية وهو يحمل فهمًا مشوشًا إلى حد كبير لطبيعة الأوضاع في الشرق الأوسط. ففي بدايات ولايته، كان يكرر مواقف المسيحيين الإنجيليين، من أمثال مايك هاكابي سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مؤكّدًا ضرورة توسيع إسرائيل وإفراغ قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين، وممهدًا الطريق نحو ضم الضفة الغربية لنهر الأردن إلى «الدولة العبرية».

غير أن تفاعل الدول العربية والإسلامية مع ترامب أقنعه في منتصف الطريق بضرورة إعادة النظر في مساره. فقد أدرك ترامب أن الاستجابة لمطالب اليمين الإسرائيلي المتطرف ستعرّض العلاقات الوثيقة للولايات المتحدة مع الدول العربية والإسلامية في المنطقة، بما فيها مصر والأردن وتركيا والسعودية وقطر، بل وحتى باكستان وإندونيسيا، للخطر. وعلى هذا الأساس، وبمساعدة من صهره جاريد كوشنر، اتجه إلى صياغة خطة سلام بشأن قطاع غزة، وبصورة أوسع القضية الفلسطينية، من شأنها أن تحظى بقبول نسبي لدى الدول العربية والإسلامية، لكنها لا تنسجم مع توجهات اليمين المتطرف في إسرائيل.

وتضم حكومة نتنياهو أكثر الأحزاب اليمينية تطرفًا في تاريخ إسرائيل، وقد أصبحت عمليًا رهينة لها. وإضافة إلى ذلك، تلوح في الأفق انتخابات برلمانية إسرائيلية، ما أشعل منافسة خفية وعلنية بين قادة حزب الليكود لاستقطاب دعم التيارات المتطرفة داخل المجتمع الإسرائيلي. وهذان العاملان يدفعان نتنياهو إلى إبداء فتور واضح حيال الدخول في المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بل إلى عرقلة هذا المسار أو افتعال الذرائع قدر الإمكان. وقد نفد صبر ترامب إزاء هذه السلوكيات.

ولا يبدي ترامب أي رغبة في الاستماع إلى التفاصيل المعقدة والممتدة للخلافات الداخلية بين الأحزاب والتيارات الإسرائيلية، بل يريد من نتنياهو الموافقة سريعًا على تنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار. إلا أن نتنياهو لا يُعير الاعتبار السياسي لترامب اهتمامًا يُذكر، ويعود إليه في كل مرة بقائمة طويلة من المطالب الأحادية. ومن المرجح أن يربط موافقته على بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة بحصوله على دعم ترامب لمواجهة البرنامج الصاروخي الإيراني، وهو أمر ليس واضحًا إلى أي مدى يبدي الرئيس الأميركي حماسة له في الظروف الراهنة.

ومن خلال التصريحات الرسمية للمسؤولين الأميركيين، يمكن الاستنتاج أنهم لا يرغبون في هذه المرحلة في استئناف الحرب مع إيران، بل ينتظرون أن تدفع الضغوط الاقتصادية المتزايدة الجمهورية الإسلامية إلى القبول بصيغة تقوم على «التخصيب بنسبة صفر في المئة» مقابل «رفع العقوبات». ومن هذا المنطلق، لا تزال واشنطن تفكر في نوع من الدبلوماسية تجاه إيران، في حين يرى نتنياهو، بسبب أزماته الداخلية، أن المواجهة مع إيران تمثل وسيلة مناسبة لضمان بقاء حكومته وتحقيق الفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

ولا يبدو هذا المشهد مجرد مناورة سياسية أو عملية تضليل بين الطرفين، غير أن مآلاته النهائية ستتوقف إلى حد كبير على كيفية قراءة طهران لهذه التطورات ونوعية القرارات التي ستتخذها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى