الصحافة الإيرانية: كاراكاس تسقط بصمت الشرق… ونهاية وهم التحالفات الصلبة

بينما أقدمت واشنطن، في استعراض واضح للقوة وتحت ذريعة مكافحة تهريب المخدرات، على اعتقال مادورو ونقله إلى نيويورك، اتجهت الأنظار إلى بكين وموسكو، الحليفين اللتين طالما اعتبرتا فنزويلا خطًا أماميًا في منافسة القوى الكبرى.

ميدل ايست نيوز: إن سقوط حكومة نيكولاس مادورو في كاراكاس، الحليف القديم والاستراتيجي لإيران في أميركا اللاتينية، لم يكن مجرد تحوّل إقليمي، بل شكّل زلزالًا جيوسياسيًا من شأنه أن يترك أثرًا مباشرًا على مسار السياسة الخارجية الإيرانية. فبينما أقدمت واشنطن، في استعراض واضح للقوة وتحت ذريعة مكافحة تهريب المخدرات، على اعتقال مادورو ونقله إلى نيويورك، اتجهت الأنظار إلى بكين وموسكو، الحليفين اللتين طالما اعتبرتا فنزويلا خطًا أماميًا في منافسة القوى الكبرى. غير أن ما حدث لم يكن مقاومة، بل صمتًا ذا دلالة وقبولًا مريرًا بالأمر الواقع.

فحسب تقرير لصحيفة “توسعه إيراني” إن حضور المبعوث الخاص للرئيس الصيني شي جين بينغ في قصر ميرافلوريس، قبل ساعات قليلة فقط من الهجوم الأميركي واعتقال مادورو، تحوّل من مؤشر محتمل على دعم حاسم إلى رمز لما بات يُنظر إليه اليوم على أنه «صفقة كبرى»؛ صفقة جرى فيها التعامل مع فنزويلا باعتبارها ورقة محروقة، ضُحّي بها لصالح مصالح أوسع للقوى الشرقية. هذا التطور لا يمثّل مجرد انتكاسة دبلوماسية، بل يطرح تحديًا جوهريًا أمام طهران، لا سيما أنه جعل مصير مليارات الدولارات من الاستثمارات الإيرانية في فنزويلا غامضًا، وأعاد طرح سؤال بالغ الحساسية: إلى أي مدى يمكن الوثوق بالتحالف مع الشرق في لحظات الأزمات الحاسمة؟

صدمة كاراكاس… نهاية مقاومة مكلفة

الساعات الأخيرة من حكم مادورو قدّمت مشهدًا متناقضًا وصادمًا من التفاعلات الجيوسياسية. ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بلهجة حازمة، أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا إلى حين «نقل آمن للسلطة»، وأن مادورو وزوجته سيخضعان للمحاكمة، كان الرئيس الفنزويلي يجري في قصر ميرافلوريس محادثات مع كيو شياوكي، المبعوث الخاص للرئيس الصيني. ذلك اللقاء، الذي عُقد قبل ثلاث ساعات فقط من الهجوم وقبل نحو عشر ساعات من اعتقال مادورو، تناول قضايا تصدير النفط والتجارة وسبل الالتفاف على العقوبات الأميركية.

هذا التزامن الزمني كشف عمق الصدمة لدى حلفاء فنزويلا. فالصين، التي أدانت بشدة ما وصفته بـ«الاستخدام المفرط للقوة» و«السلوك الهيمني» الأميركي، لم تُقدِم عمليًا على أي خطوة ردعية. كما أن تعطّل أنظمة الدفاع التي زوّدتها بها روسيا عزّز فرضية أن سقوط مادورو لم يكن مفاجأة عسكرية، بل نتيجة «صمت متوافق عليه أو مقبول» في اللحظة الحاسمة.

واشنطن واستعادة السيطرة بالقوة

الولايات المتحدة، بذريعة مكافحة تهريب المخدرات، ولا سيما الفنتانيل والكوكايين، وبتوجيه اتهامات لمادورو بقيادة شبكات إجرامية، رفعت منسوب الضغط العسكري والاقتصادي إلى ذروته. الحصار البحري الكامل، وانتشار 15 ألف جندي أميركي، وتمركز حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر فورد» في البحر الكاريبي، كلها مؤشرات على تصميم واشنطن على استعادة السيطرة على هذا المجال الحيوي.

وعقب ذلك، عرض ترامب رؤيته الاقتصادية بوضوح، عبر فتح الباب أمام شركات النفط الأميركية للسيطرة على البنية التحتية لقطاع الطاقة في فنزويلا، وضخ استثمارات بمليارات الدولارات لإعادة بناء صناعة النفط في بلد يملك أكبر احتياطي مؤكد من النفط الخام في العالم.

فنزويلا… قطعة شطرنج في استراتيجية احتواء الصين

تشير التحليلات الجيوسياسية إلى أن الضغوط الأميركية على فنزويلا تتجاوز مسألة النفط وحدها. فلو كان الهدف مقتصرًا على الطاقة، لكان بالإمكان سلوك طريق التفاوض وعودة الشركات الأميركية. غير أن العقوبات الواسعة طاولت حتى المصافي الأميركية نفسها، ما يدل على أن فنزويلا، بسبب ارتباطاتها الاستراتيجية العميقة مع الصين وروسيا في مجالات الطاقة والمال والبنية التحتية، تحوّلت إلى عقدة جيوسياسية وتهديد بنيوي للنظام الهيمني الأميركي في نصف الكرة الغربي.

وخلال العقدين الماضيين، شهدت أميركا اللاتينية تمددًا صينيًا متسارعًا عبر استثمارات ضخمة ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، ولا سيما في الموانئ والطاقة. وكانت فنزويلا، بفضل احتياطاتها النفطية الهائلة، عنصرًا أساسيًا في معادلة أمن الطاقة الصينية، إذ سعت بكين من خلالها إلى تقليص اعتمادها على المسارات الخاضعة للسيطرة الأميركية.

«الصفقة الكبرى»… خيانة أم حسابات باردة؟

أثار سقوط مادورو، في ظل الدعم المالي والعسكري السابق من الصين وروسيا، تساؤلات واسعة حول مدى التزام الشرق بحلفائه. غير أن إجابات المحللين جاءت أكثر قسوة من مجرد توصيفه بالفشل. إذ يرون أن ما جرى كان جزءًا من «تفاهم دولي مرن» حول تقاسم الأدوار الجيوسياسية. في هذا السياق، جرى التعامل مع فنزويلا باعتبارها «أوكرانيا مقلوبة» أو «سوريا غربية»، حيث لم يكن صمت الصين وروسيا علامة ضعف، بل جزءًا من صفقة أوسع.

هذا المنظور يشير إلى ملامح نظام دولي جديد: تثبيت اليد العليا لروسيا في أوكرانيا، ومنح الصين هامش حركة تدريجي ومدروس في ملف تايوان، مقابل استعادة أميركا السريعة ومنخفضة الكلفة لنفوذها في نصف الكرة الغربي. وكان تصريح ترامب، حين قال ردًا على سؤال عن إيران وروسيا والصين: «سنبيع النفط لمن يريد شراءه»، مؤشرًا على ثقة واشنطن بتحييد نفوذ الشرق في كاراكاس.

 خسائر طهران… ديبلوماسية ومالية

بالنسبة لإيران، يحمل سقوط مادورو أبعادًا مالية واستراتيجية قاسية. فقد شملت العلاقات الإيرانية–الفنزويلية خلال العقود الماضية استثمارات بمليارات الدولارات في قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والصناعة والتكنولوجيا، يُقدَّر حجمها بما بين 15 و20 مليار دولار (غير قابل للتأكيد أو النفي).

غير أن الضربة الأشد تمثلت في الديون النفطية. فوفق تقارير داخلية، اعتمدت وزارة النفط الإيرانية صيغة تزويد مصافي فنزويلا بالخام مقابل منتجات نفطية، لكنها فشلت، وتراكمت ديون شركة النفط الفنزويلية لتصل، بحسب بعض المصادر، إلى نحو ملياري دولار. ومع اعتقال مادورو، باتت هذه الديون عمليًا غير قابلة للتحصيل، في وقت تواجه فيه إيران أزمة اقتصادية خانقة ونقصًا حادًا في العملات الصعبة.

درس قاسٍ… وضرورة مراجعة التحالفات

إن سقوط الحليف الاستراتيجي لإيران في أميركا اللاتينية، بالتزامن مع الضغوط الخارجية والاضطرابات الداخلية، يضع طهران أمام واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا. تجربة فنزويلا أعادت فتح ملف الاعتماد على موسكو وبكين، وكشفت أن هذه التحالفات، في لحظات الأزمات، محكومة أولًا بحسابات المصالح الكبرى لا بالالتزامات السياسية.

الرسالة التي حملها سقوط مادورو واضحة: العالم دخل مرحلة جديدة تُرسم فيها مناطق النفوذ قبل الصدام، وتُدار الأزمات عبر الضغوط الصامتة والتفاهمات غير المعلنة. وعلى إيران، في ظل تصاعد «الترامبية» وتراجع منظومة القانون الدولي، أن تعيد ضبط سياساتها وتحالفاتها، وأن تتعامل بواقعية أكبر مع نظام دولي لم يعد يحتمل الرهانات المكلفة.

فنزويلا، التي تحوّلت إلى فرصة استثمارية ضخمة لشركات النفط الأميركية، باتت شاهدًا حيًا على أن الخاسر الأكبر في هذه التحولات ليس فقط إيران المثقلة بالديون المحروقة، بل أيضًا الصين التي فقدت إحدى حلقات سلسلة أمنها الطاقوي. أما الدرس الأهم لطهران، فهو أن إعادة النظر في التحالفات التي تخلّت عن حلفائها في اللحظة الحرجة لم تعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية للبقاء.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى