زيارة لاريجاني إلى مسقط… بين «وثيقة غامضة» وحرب الإرادات الخفية

تحوّلت الزيارة الأخيرة لعلي لاريجاني إلى عُمان من مجرد مشاورات دبلوماسية عادية إلى عقدة ملتبسة في فضاء التحليلات السياسية.

ميدل ايست نيوز: تحوّلت الزيارة الأخيرة لعلي لاريجاني إلى عُمان من مجرد مشاورات دبلوماسية عادية إلى عقدة ملتبسة في فضاء التحليلات السياسية. فبعد أيام على هذه الزيارة، يتحدث الصحفي الأمني الإسرائيلي–الأميركي باراك راويد، مراسل موقع أكسيوس، بثقة عن حصوله على «وثيقة» يُفترض أنها قد تغيّر مصير طاولة المفاوضات. في المقابل، ينفي لاريجاني، مستندًا إلى نهجه المعهود ولغته المحسوبة، وجود أي «خطة محددة»، ويُبقي المسألة في إطار تبادل الرسائل لا أكثر.

وحسب تقرير لموقع “رويداد24” الإيراني، تزداد الصورة تعقيدًا إذا ما أُخذ في الحسبان أن زيارة لاريجاني الأخيرة إلى روسيا سبقتها أيضًا تكهّنات بشأن إجرائه مشاورات مع مسؤولين أميركيين. كما أن حديث دونالد ترامب عن تواصله مع «مسؤول إيراني رفيع جدًا» أسهم في تصاعد الشائعات.

وحتى المحلل السياسي أحمد زيدآبادي دخل على الخط، معتبرًا أن هذا المسؤول لا يمكن أن يكون عراقجي، وكتب: «أرجّح أن علي لاريجاني قد أجرى، خلال زيارته إلى موسكو، وبإصرار ووساطة من بوتين، حديثًا عبر الفيديو مع ترامب». وأضاف أن «تولّي السيد لاريجاني مسؤولية هذا الملف المعقّد سيكون أفضل وأنفع من إسناده إلى وزارة الخارجية».

تضارب الروايات: من خريطة طريق إلى مجرد إبداء رغبة

إن هذا التناقض الواضح بين الروايات يتجاوز كونه اختلافًا بسيطًا في وجهات النظر، ليعكس تعقيد اللعبة التي تجري خلف الكواليس. فلاريجاني، بوصفه شخصية تمتلك نفوذًا ملموسًا في دوائر صنع القرار، يدرك جيدًا أن الكلمات في عالم السياسة تحمل أوزانًا قانونية وسياسية ثقيلة.

وعندما ينفي وجود «خطة محددة»، فإنه يرسم عمليًا خطًا فاصلًا بين فكرة عامة وبين التزام مكتوب. وربما تكمن الحقيقة في مكانٍ وسط بين الروايتين؛ حيث كانت عُمان، بصفتها صندوق بريد تقليدي، ناقلة لرسالة تُعدّ في نظر واشنطن «خريطة طريق»، بينما لا تتجاوز في نظر طهران كونها «إبداء رغبة» غير رسمي.

الصحافة الإيرانية: صورة «رسالة» بين لاريجاني ووزير الخارجية العماني تثير التكهنات

وفي قراءة أعمق للمشهد، لا يمكن تجاهل الأجواء الضاغطة التي صنعها ترامب وفريقه حول إيران. فتصوير طهران على أنها طرف صعب وغير قابل للتفاوض، بالتوازي مع الحشود العسكرية ووجود حاملات الطائرات في المنطقة، يشير إلى أن أي تحرك في مسقط جرى تحت ظل كثيف من التهديد والترغيب.

وفي مثل هذه الظروف، يبدو الحديث عن «وثيقة سرية» أداة لاختبار ردود فعل طهران أكثر منه انعكاسًا لواقع ميداني. فهذه الرسائل، سواء جاءت في صيغة وثائق أو محادثات شفهية، ليست سوى قطع في أحجية تهدف إلى وضع إيران أمام خيارات صعبة.

وتواصل عُمان، في خضم ذلك، محاولتها لعب دور الوسيط وامتصاص الصدمات، غير أن الواقع الإقليمي بات على درجة من الحساسية تجعل كل رسالة دبلوماسية تحمل في آنٍ واحد رائحة السلام ورائحة الضغط.

ويعكس التباين بين موقف لاريجاني وما تروّجه بعض وسائل الإعلام الغربية ما يمكن وصفه بـ«حرب إرادات». فطهران تدرك أن القبول المبكر بأي مقترح، أو حتى الإقرار بوجود وثيقة رسمية، قد يُفسَّر على أنه تراجع أمام دبلوماسية الإكراه. ومن هنا يأتي الإصرار على نفي تلقي أي عرض محدد، بوصفه استراتيجية للحفاظ على موقع تفاوضي متقدّم في مسار لا يزال بعيدًا عن أي اتفاق نهائي.

في المحصلة، لا يتمثل ما خلّفته زيارة مسقط في ورقة حاسمة أو وثيقة واضحة، بل في صورة تعكس إحدى أكثر مراحل الدبلوماسية الإيرانية تعقيدًا؛ مرحلة يتعيّن فيها تحقيق توازن دقيق بين الردع العسكري في الخليج والمساومة السياسية في الغرف المغلقة في مسقط. ويُظهر هذا التضارب في السرديات أنه حتى لو جرى تبادل وثيقة ما، فإن هذه التحرّكات ستظل في إطار إعادة ترتيب الأوراق على رقعة لم تُحسم قواعد لعبتها بعد، ما لم تتبلور إرادة حقيقية لتغيير المسار في واشنطن أو طهران.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 + ثلاثة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى