الصحافة الإيرانية: القوة الحقيقية لمضيق هرمز تكمن في صياغة حسابات القوى الكبرى لا في قدرات الإغلاق
يبين التوسع في إنشاء خطوط الأنابيب، والموانئ الجديدة، ومسارات التصدير البديلة أن النظر إلى هرمز كعنصر تهديد دائم سيفقده جزءاً من ميزته الاستراتيجية على المدى الطويل.
ميدل ايست نيوز: اعترف العديد من الخبراء الدوليين بأن الظاهرة المستجدة والأكثر أهمية خلال العدوان العسكري الأمريكي الإسرائيلي على إيران، لم تكن مجرد القدرات الصاروخية الهائلة، ولا توازنات القوى العسكرية التقليدية، ولا حتى التحولات الدبلوماسية في المنطقة، بل تمثلت في “مضيق هرمز”. ورغم أن هرمز ظل معروفاً لعقود كمعبر استراتيجي في أدبيات الجغرافيا السياسية العالمية، إلا أن التحولات الأخيرة حولت هذا العارض الجغرافي إلى عنصر فاعل ورافعة حاسمة في المعادلات الدولية.
ويقول الخبير في الشؤون السياسية، محمد حسين عمادي، في مقال لصحيفة شرق، إن التساؤل يثور الآن، مع بدء خمود نيران الحرب، حول كيفية الحفاظ على دور مضيق هرمز وتعزيزه في العهد الجديد من التنافس الجيوسياسي والحرب الباردة الجديدة، ومكافحة تراجعه.
وتشبه حقيقة هذا الممر قصة “مارد المصباح السحري”، حيث تكمن قوة هائلة لسنوات طويلة داخل مصباح صغير يبدو في الظاهر غير ذي أهمية، لكنها تنطلق جراء تحفيز بسيط وظروف خاصة لتغير البيئة المحيطة بها بالكامل، دون إمكانية للعودة إلى ما كانت عليه سابقاً. ويحمل مضيق هرمز هذه الطبيعة إلى حد ما؛ إذ كان الجميع يدركون وجوده، وكان البعض يلوح به مع كل توتر عابر، لكن قوته الحقيقية لم تُفهم أبعادها الكاملة إلا بعد تفعيله في قلب أزمة كبرى.
ومع ذلك، يبرز السؤال المحوري حول كيفية الحفاظ على هذه القوة التأثيرية وإدارتها بذكاء للحيلولة دون ضعفها التدريجي. وتظهر التجارب التاريخية أن أي رافعة جيوسياسية تفقد بريقها وقيمتها تدريجياً في حال استخدامها المفرط وغير المناسب. وتحتم مرحلة ما بعد إثبات تأثير هرمز العالمي، تحويل السيطرة الميدانية والعسكرية إلى إدارة ذكية ومستدامة لهذا التأثير؛ وبتعبير آخر، لا تكمن القيمة الاستراتيجية للمضيق في القدرة على تعطيل حركته فحسب، بل في القدرة على صياغة الحسابات طويلة المدى للاعبين الدوليين.
وينبغي الانتباه في هذا السياق إلى أن الشعور الدائم بعدم الأمان في حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة قد يدفع المستهلكين إلى البحث عن خيارات بديلة. وأظهرت التحولات الأخيرة، بل وحتى مسارات الأيام المئة الماضية في الاقتصاد العالمي، أن الدول بدأت تعيد النظر بجدية في سلاسل الإمداد، ومسارات نقل البضائع، وأمن الطاقة والمواد الخام، كما شرعت حكومات عديدة في رسم استراتيجيات لتقليص اعتمادها على الممرات الحيوية الضيقة.
ويبين التوسع في إنشاء خطوط الأنابيب، والموانئ الجديدة، ومسارات التصدير البديلة أن النظر إلى هرمز كعنصر تهديد دائم سيفقده جزءاً من ميزته الاستراتيجية على المدى الطويل. ومن ثم، يتطلب الحفاظ على أهمية المضيق رؤية تتجاوز الاعتبارات الأمنية البحتة، بحيث يحافظ هذا المعبر بالتوازي على دوره كشريان أساسي للتجارة والطاقة الإقليمية؛ فكلما ارتفع حجم التجارة والاستثمار والاعتماد الاقتصادي المتبادل في هذا الممر المائي، أصبحت قيمته الجيوسياسية أكثر استدامة. وتكمن القوة الحقيقية لهرمز في حاجة العالم لاستمرار نشاطه، لا في دفعه لتقصي السبل بحذر لإقصائه من معادلات الحاضر والمستقبل.
ويتطلب منع الأفول طويل الأجل لدور هذه النقطة الاستراتيجية وأهميتها، إيجاد توازن دقيق بين البعد الأمني والدور الاقتصادي؛ فمضيق هرمز يمثل عارضاً جغرافياً واستراتيجياً، لكنه يجسد في جوهره ممرّاً مائياً من منظور التجارة العالمية. ولن يستمر هذا الممر كأداة ضغط فاعلة إلا إذا ظل مساراً مزدهراً وجاذباً لتدفق السلع والطاقة والتجارة الدولية، وحافظت الأطراف الدولية على حاجتها لاستخدامه؛ إذ تعمل منظومة السيطرة على المضيق باقتدار أكبر كلما كان الازدهار هو جوهر وجوده.
وعلى صعيد آخر، تفرض التغيرات المناخية، والتوسع الكبير في إقامة محطات تحلية المياه على ضفاف الخليج العربي، والتلوث النفطي، والضغوط البيئية، ضرورة مضاعفة الاهتمام بالاستدامة البيئية للمنطقة. ويمكن أن تشكل الإدارة العلمية والمشتركة للنظام البيئي في الخليج ومضيق هرمز -بمشاركة وتمويل من المستفيدين الرئيسيين منه عبر تأسيس صندوق مشترك للاستثمار والتنمية- أحد الأركان الأساسية للحفاظ على المكانة طويلة الأجل لهذا الممر المائي، وهو توجه لن يحظى بدعم دول المنطقة فحسب، بل سيرحب به المجتمع الدولي والمنظمات العالمية أيضاً. وفي النهاية، سيتوقف مستقبل هرمز على القدرة على صون وتعزيز مكانته كأكثر الممرات المائية حيوية وأماناً للتجارة والطاقة في العالم، بدرجة تفوق اعتماده على قدرات الإغلاق والتعطيل.



