معضلة سعر النفط: لماذا لم تعد أسعار النفط في الشرق الأوسط تشهد ارتفاعًا هائلاً؟

رغم أن الأخبار السياسية لا تزال قادرة على تحريك أسعار النفط على المدى القصير، فإن العودة إلى حقبة القفزات السعرية الكبيرة بمجرد اندلاع مواجهة عسكرية لم تعد تبدو مرجحة كما في السابق.

ميدل ايست نيوز: تواصل أسعار النفط العالمية تذبذبها رغم استمرار الغموض بشأن مستقبل الحرب والمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، في وقت لم تُبد فيه الأسواق العالمية رد فعل حاداً كما كان متوقعاً. ويثير ذلك تساؤلات حول سبب عدم كفاية أكبر المخاطر الجيوسياسية في العالم وحدها لإشعال أسعار النفط.

ويتداول خام برنت في تعاملات اليوم الاثنين قرب مستوى 72 دولاراً للبرميل، وهو سعر أعلى من مستوياته خلال ذروة المواجهات الأخيرة، لكنه لا يزال بعيداً عن التوقعات التي تحدثت عن عودة النفط إلى 100 دولار للبرميل. ويأتي ذلك رغم صدور أنباء متضاربة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية بشأن مستقبل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واستمرار الغموض الذي يكتنف العلاقات بين البلدين. ومع ذلك، لم يُظهر سوق النفط العالمي رد فعل يتناسب مع هذا المستوى المرتفع من المخاطر.

ويطرح هذا السلوك سؤالاً مهماً أمام المحللين: هل بات السوق العالمي لا يخشى الحروب في الشرق الأوسط كما كان في السابق، أم أن قواعد تسعير النفط تغيرت خلال السنوات الأخيرة؟

والواقع أن السوق لا يتجاهل الحروب ولا يستخف بالمخاطر الجيوسياسية، لكن ما تغير هو طريقة تقييم هذه المخاطر. فالمتعاملون باتوا يهتمون اليوم، أكثر من عناوين الأخبار السياسية أو تبادل الضربات العسكرية، بالإجابة عن سؤال محدد: هل ستؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل الإمدادات الفعلية للنفط في السوق العالمية أم لا؟ وما دام الجواب بالنفي، فإن حتى أشد المواجهات العسكرية لا تؤدي بالضرورة إلى ارتفاع مستدام في أسعار النفط.

السوق لم يعد يشتري أخبار الحرب… بل يشتري مخاطر تعطل الإمدادات

تغير سوق النفط خلال السنوات الأخيرة. ففي الماضي، كان اندلاع أي أزمة عسكرية في الشرق الأوسط يؤدي تلقائياً تقريباً إلى ارتفاع الأسعار، لأن المتعاملين كانوا يتوقعون تعطلاً طويل الأمد في صادرات النفط من دول المنطقة.

أما اليوم، فقد أصبحت الصورة مختلفة. فالمتعاملون ينظرون أولاً إلى ما إذا كان الإنتاج أو الصادرات النفطية قد تراجعت فعلياً أم لا. ولهذا يرى كثير من الخبراء أن ما يحرك أسعار النفط هو خطر تعطل الإمدادات، وليس مجرد اندلاع مواجهة عسكرية.

وفي الأزمة الأخيرة، ورغم تصاعد المخاوف بشأن أمن طرق نقل النفط، فإن استمرار صادرات معظم دول المنطقة حال دون اقتناع السوق بجدية سيناريو عودة النفط إلى مستوى 100 دولار للبرميل.

مضيق هرمز مهم… لكن ليس كما كان في السابق

يبقى مصير مضيق هرمز العامل الأكثر أهمية بالنسبة إلى سوق النفط، إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، وأي اضطراب طويل الأمد فيه قد يوجه صدمة قوية إلى أسواق الطاقة.

ومع ذلك، لم يعد مضيق هرمز الورقة الحاسمة كما كان في السابق. فقد استثمرت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة بكثافة في إنشاء مسارات بديلة لتصدير النفط. وأصبحت السعودية والإمارات تنقلان جزءاً من صادراتهما عبر خطوط أنابيب تقلل من اعتمادهما على المضيق.

ورغم أن هذه البدائل لا تستطيع إلغاء الدور الحيوي لمضيق هرمز بالكامل، فإنها دفعت المتعاملين إلى تقليص تقديراتهم لاحتمال حدوث أزمة شاملة في إمدادات النفط مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق.

النفط الصخري الأميركي غيّر معادلة السوق

ومن العوامل الأخرى التي غيّرت سلوك السوق، الزيادة الكبيرة في إنتاج الولايات المتحدة من النفط. فخلال العقد الماضي، أدى نمو إنتاج النفط الصخري إلى تحول الولايات المتحدة إلى واحدة من أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم.

وأدى هذا التحول إلى تراجع اعتماد السوق العالمية على نفط الشرق الأوسط مقارنة بما كان عليه الحال في سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي.

كما عززت الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى بعض أعضاء منظمة أوبك، إضافة إلى الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية لدى الدول المستهلكة، ثقة السوق بإمكانية تعويض جزء من أي نقص مؤقت في الإمدادات، وهو ما جعل ردود الفعل تجاه الأزمات الجيوسياسية أكثر حذراً مما كانت عليه في السابق.

هل هدوء السوق حقيقي أم مؤقت؟

لا تتخذ الأسواق المالية قراراتها بناءً على ما يحدث اليوم، بل تقوم بتسعير المستقبل. ولهذا، حتى عند صدور أخبار متضاربة بشأن المفاوضات أو التوترات العسكرية، يسعى المتعاملون أولاً إلى تقييم احتمال استمرار الأزمة.

فإذا خلصوا إلى أن المواجهات لن تؤدي إلى اضطراب واسع في صادرات النفط، فإن الأسعار تظل محدودة الحركة. وبعبارة أخرى، فإن السوق ينظر إلى مسار تدفق النفط أكثر مما ينصت إلى أصوات الانفجارات.

ورغم الهدوء النسبي في السوق، فإن ذلك لا يعني انتهاء المخاطر. ويرى خبراء الطاقة أن السوق لا يزال يضيف ما يعرف بـ”العلاوة الجيوسياسية” إلى أسعار النفط، وهي علاوة ترتفع مع زيادة احتمالات التصعيد، ثم تتراجع عندما تنخفض تلك الاحتمالات.

ولهذا، فإن أي تطور جديد يؤدي إلى تعطيل صادرات النفط أو تهديد أمن الملاحة في الخليج قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع مجدداً خلال فترة قصيرة. وبذلك، فإن سوق النفط لم يصبح أكثر تفاؤلاً أو أقل اهتماماً بالحروب، بل أصبح أكثر واقعية في تقييمها.

الشرق الأوسط لم يعد اللاعب الوحيد

لا تزال أزمات الشرق الأوسط من أهم العوامل المؤثرة في أسعار النفط، لكنها لم تعد المتغير الوحيد الذي يحدد اتجاه السوق.

فارتفاع إنتاج الولايات المتحدة، وتنوع مصادر الإمدادات، وزيادة الطاقة الإنتاجية الفائضة، إضافة إلى الخبرات المتراكمة من أزمات السنوات الأخيرة، كلها عوامل دفعت المتعاملين إلى التركيز على النتائج الفعلية للحروب، وليس على اندلاعها بحد ذاته.

ولهذا، ورغم أن الأخبار السياسية لا تزال قادرة على تحريك أسعار النفط على المدى القصير، فإن العودة إلى حقبة القفزات السعرية الكبيرة بمجرد اندلاع مواجهة عسكرية لم تعد تبدو مرجحة كما في السابق.

وأصبح المعيار الأهم بالنسبة إلى سوق الطاقة العالمية اليوم هو: هل يصل النفط إلى وجهته أم لا؟ وما دام الجواب بالإيجاب، فإن حتى أكثر التطورات السياسية توتراً لن تؤدي بالضرورة إلى انفجار أسعار النفط.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 − إحدى عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى