توحيد البيشمركة: التحدي الحزبي واختبار السيادة بين بغداد وأربيل
بعد سنوات من الانقسام بين الحزبين الرئيسيين، تدخل قوات البيشمركة مرحلة جديدة بإعلان توحيدها رسمياً تحت مظلة وزارة البيشمركة.

ميدل ايست نيوز: بعد سنوات من الانقسام بين الحزبين الرئيسيين، تدخل قوات البيشمركة مرحلة جديدة بإعلان توحيدها رسمياً تحت مظلة وزارة البيشمركة، لكن الخطوة تفتح سؤالاً أبعد من الهيكلة: عند تعارض القرار الاتحادي مع المواقف الحزبية في الإقليم، لمن تنصاع القوات، وهل يغير التوحيد فعلياً معادلة القرار العسكري بين بغداد وأربيل؟
حدث مهم
ويقول القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني أحمد الهركي، إن “الاتحاد سعى منذ البداية إلى دمج قوات البيشمركة وتوحيدها، بهدف تحويلها إلى قوات حكومية دستورية لأن البيشمركة تتمتع بحصانة دستورية، إذ تنص المادة 121 من الدستور العراقي على أن ما يتعلق بالأمور العسكرية وقوى الأمن الداخلي يقع ضمن صلاحيات الأقاليم، ومن بينها إقليم كردستان”.
ويضيف، أن “عملية توحيد قوات البيشمركة استمرت لسنوات وشهدت تأخيراً، إذ كانت قائمة منذ عام 2016، خلال الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، قبل أن تنتهي اليوم بعملية التوحيد، والتشكيل الإداري للقوات أصبح موزعاً بين قوات المنطقة الأولى والمنطقة الثانية، وفقاً للتوزيع الجغرافي لقوات البيشمركة، ويعد ما حدث اليوم حدثاً مهماً”.
وأعلن رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني رسمياً، أمس الاثنين، إتمام عملية توحيد وإعادة تنظيم قوات البيشمركة تحت مظلة وزارة البيشمركة، خلال مراسم أقيمت في مقر رئاسة الإقليم بأربيل، بحضور رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، ونائب رئيس الحكومة قوباد طالباني، ومدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الأمير الشمري، إلى جانب وزراء وقيادات ومسؤولين.
قوات دستورية
ويشير الهركي إلى أن “التنسيق بين بغداد وإقليم كردستان، أو بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة، كان موجوداً خلال الفترات السابقة وبدرجات كبيرة، ولاسيما في ما يتعلق بمحاربة تنظيم داعش الإرهابي، إذ شهدت تلك المرحلة تعاوناً وتنسيقاً وتبادلاً للمعلومات وأموراً عديدة بين الأجهزة الأمنية في بغداد وإقليم كردستان”.
ويؤكد، أن “قرار التوحيد يعني أن قوات البيشمركة أصبحت قوات حكومية ودستورية، ووزير البيشمركة في حكومة الإقليم أعلن اليوم عملية التوحيد، وبذلك أصبحت القوات حكومية وتحت إمرة وزارة البيشمركة”.
وبشأن التنسيق مع الحكومة الاتحادية في بغداد، يرى، أن “كل ما يجري ضمن سقف القانون والدستور يعد أمراً طبيعياً، فالفترات السابقة التي شهدت تنسيقاً بين الحكومة الاتحادية وقوات البيشمركة”.
واستمرت عملية إعادة هيكلة البيشمركة منذ عام 2016 بدعم ومتابعة من التحالف الدولي، ولاسيما في إطار تطوير قدرات البيشمركة التي شاركت بدور رئيسي في الحرب ضد “داعش”، فيما تركزت خطط الإصلاح على دمج تشكيلات القوتين 70 و80 ضمن وزارة البيشمركة، وصولاً إلى تحديد أيلول 2026 موعداً لاستكمال عملية التوحيد.
إنجاز عظيم
بدوره، يقول القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني ريبوار بابكي، إن “توحيد قوات البيشمركة بأنه إنجاز عظيم ويوم تاريخي لأبناء إقليم كردستان والشعب الكردستاني قاطبة”.
ويعتبر، أن “الخطوة تمثل إنجازاً تاريخياً ووطنياً ومؤسساتياً وقانونياً مهماً وكبيراً في الوقت نفسه، ولم تأت اعتباطياً، وإنما جاءت بعد مفاوضات ومباحثات بين قيادات البيشمركة، ولاسيما بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني”.
ويشير إلى أن “رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني مسعود بارزاني كان له دور كبير في هذا الأمر، من خلال توجيهاته وحرصه على توحيد صفوف البيشمركة، وهذا الإنجاز الوطني سينعكس بشكل كبير وإيجابي على دور وزارة البيشمركة ومهامها”.
التدخلات الحزبية
ويعتقد بابكي، أن “توحيد القوات سيغلق الباب بشكل نهائي أمام توجيهات الأحزاب وتدخلاتها في إقليم كردستان، لأن قوات البيشمركة ستأتمر بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، وهو رئيس إقليم كردستان، وستباشر دورها المؤسساتي والقانوني في خدمة الوطن وكردستان والعراق”.
ويشيد بدور قوات التحالف والدول الصديقة لإقليم كردستان والعراق في إنجاز هذه الخطوة، معرباً عن أمله في التوجه نحو مستقبل زاهر واستكمال الدور المؤسساتي لقوات البيشمركة.
ويخلص بابكي إلى أن “البيشمركة أصبحت الآن قوة مؤسساتية وطنية دستورية وقانونية، جاهزة لخدمة البلد والتصدي لأي عدوان أو محاولة من خارج كردستان والعراق تستهدف أمن إقليم كردستان والعراق”.
ومع تقدم مشروع التوحيد شملت عملية الدمج إعادة تنظيم التشكيلات على مستوى الألوية والفرق وقيادات المناطق العسكرية، وصولاً إلى دمج قيادتي المنطقتين العسكريتين رسمياً، ضمن هيكل يقوم على قيادة وسيطرة مشتركة بدلاً من الارتباط التنظيمي السابق بالحزبين الرئيسيين في الإقليم.
توحيد شكلي
من جهته، يقول المحلل السياسي علي فضل الله، إن “ما يحصل اليوم بين قوات البيشمركة التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني لا يزال في إطار الإجراءات الشكلية، على اعتبار أن قوات كل طرف تخضع لسيطرة أحد الحزبين الكرديين، وما يفترض أن يحصل هو توحيد هذه القوات تحت وزارة واحدة تابعة لحكومة إقليم كردستان”.
ويطرح فضل الله تساؤلاً بشأن “قدرة الحكومة الاتحادية على تحريك هذه القوات إذا كانت هناك حاجة إليها من قبل القائد العام للقوات المسلحة خلال المراحل المقبلة؟”، مجيباً “من الصعب الاعتقاد بأن هذه القوات ستخضع لإرادة القائد العام للقوات المسلحة في المرحلة المقبلة”.
ويعتبر، أن “ما يحصل اليوم لا يزال في إطار الإجراءات الشكلية، وورقة ضغط على فصائل المقاومة الإسلامية في العراق، وتحديداً الفصائل الشيعية”.
ويخلص فضل الله إلى أن “التجارب بينت أن هذه القوات لا تزال تتعامل على أساس قومي، ولا تنصاع للقائد العام للقوات المسلحة إلا بانصياع القيادات الحزبية أو حكومة إقليم كردستان حصراً”.
قرار ضروري
إلى ذلك، يقول المحلل السياسي ياسين عزيز، إن “قرار توحيد قوات البيشمركة في إقليم كردستان كان ضرورياً لتضييق الهوة في القرارات العسكرية الخاصة بها، فالقوات انتقلت من مؤسسات وتشكيلات كانت مرتبطة رسمياً بقيادة الأحزاب الرئيسية، إلى حكومة الإقليم ووزارة البيشمركة، فيما يعد رئيس الإقليم، دستورياً، القائد العام لقوات البيشمركة، وسيكون الرابط الأهم في توحيد القرار العسكري داخل الإقليم”.
ويشير إلى أن “العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، بمختلف اختصاصات مؤسساتهما، مرتبطة بالتنظيم الدستوري، ولذلك فإن أي طلب يتعلق بتحريك قوات البيشمركة يجب أن يجري بالتنسيق مع رئاسة الإقليم وحكومة الإقليم”.
ويضيف، أن “لجاناً تنسيقية قائمة منذ زمن بعيد بين قوات البيشمركة والقوات الاتحادية، وقد نتج عن هذا التنسيق تنفيذ عشرات العمليات العسكرية ضد الخلايا الإرهابية في المناطق التي تسمى متنازعاً عليها أو المناطق الرخوة، الممتدة بين حدود انتشار قوات البيشمركة ومختلف القوات العراقية”.
وبالتزامن مع إعلان إتمام عملية التوحيد، بارك رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي اكتمال توحيد تشكيلات البيشمركة، واصفاً الخطوة بأنها مهمة لترسيخ الأمن الوطني ووحدة القرار الدفاعي، في موقف يضع العلاقة بين القوات الموحدة والقيادة الاتحادية أمام مرحلة جديدة من التنسيق الأمني والعسكري.
و قال مسرور بارزاني، في كلمة نشرتها حكومة إقليم كردستان، إن العملية تشمل قطاعات العمليات والتدريب والقيادة والسيطرة والإعلام والحسابات، معتبراً التوحيد “المرحلة الأولى من مسار طويل”، على أن تركز المرحلة المقبلة على تطوير قدرات البيشمركة وتعزيز إمكاناتها العسكرية والتدريبية، بما في ذلك الأسلحة المتطورة ومنظومات الدفاع الجوي.
التركة الحزبية
ويؤكد عزيز، أن “توحيد قوات البيشمركة وتنظيمها كمؤسسة رسمية حكومية لا يضر أياً من الأحزاب، سواء الحزب الديمقراطي الكردستاني أو الاتحاد الوطني الكردستاني، لاسيما أن الحزبين سيبقيان العمود الفقري في أي تشكيلة لحكومة الإقليم.
ويبين، أن “اتخاذ أي قرار يتعلق بقوات البيشمركة، سواء من ناحية التنظيم أو التحريك، يبقى مرتبطاً بما يتم الاتفاق عليه داخل مؤسسة الحكومة في إقليم كردستان”.
وعلى المستوى الاتحادي، أكد بارزاني أن البيشمركة جزء أساسي من المنظومة الدفاعية للعراق، مجدداً دعم رئيس مجلس الوزراء الاتحادي والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، وداعياً بغداد إلى منح قوات البيشمركة حقوقها الدستورية ومساواة رواتبها ومستحقاتها المالية بنظرائها في الجيش العراقي، إلى جانب ترسيخ التنسيق الأمني بين الجانبين.
ويأتي اكتمال التوحيد قبل الموعد المعلن لاستكمال انسحاب قوات التحالف من العراق في 30 أيلول، ما يضع الخطوة أمام اختبار يتجاوز إعادة الهيكلة الداخلية إلى شكل العلاقة الأمنية بين بغداد وأربيل بعد الانسحاب، ومدى قدرة الهيكل الجديد على نقل البيشمركة من إرث الانقسام الحزبي إلى قرار عسكري مؤسساتي موحد.



