بعد عقوبات الخزانة الأمريكية: ما هي خيارات المواطن الإيراني للخروج؟
إذا بقيت القيود عند مستواها الحالي، فمن المرجح أن يتجه السفر الخارجي نحو الرحلات المركبة: يصل المسافر براً أو جواً إلى دولة مجاورة ثم يواصل رحلته على متن خطوط أجنبية.

ميدل ايست نيوز: فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في 8 سبتمبر 2026 عقوبات على 27 شركة طيران إيرانية كانت لا تزال خارج قائمة العقوبات السابقة. وبذلك أصبحت جميع شركات الطيران الإيرانية، بما فيها إيران إير وماهان وغيرها، خاضعة لعقوبات أمريكية مباشرة.
وحسب تقرير لموقع “رويداد24” الإيراني، حذرت واشنطن من أن تقديم أي خدمات للطائرات الإيرانية، سواء تزويدها بالوقود أو الخدمات الأرضية أو بيع التذاكر أو غيرها من الخدمات المطارنية، يعرض الشركات الأجنبية لخطر العقوبات الثانوية، أي قطعها عن النظام المصرفي بالدولار. وأدى هذا التحذير عملياً إلى قيام عدد من الدول المجاورة بتقييد أو تعليق وصول الطائرات الإيرانية إلى مطاراتها تجنباً للمخاطر.
في الأيام الأخيرة، فرضت دول عدة قيوداً على الرحلات الإيرانية، من بينها العراق وتركمانستان وأذربيجان وعمان وجورجيا وأرمينيا والإمارات. ومع ذلك، لا تزال هناك بعض المسارات المتاحة للخروج من البلاد، وهو ما يستعرضه هذا التقرير.
قيود متتالية في المحيط الإقليمي
في المرحلة الأولى، شملت القيود أذربيجان وجورجيا وعمان وبعض المسارات العراقية. ثم أعلنت الإمارات تعليق رحلات الشركات الإيرانية إلى أجل غير مسمى. وفي العراق، توسعت القيود خلال الأيام الماضية لتشمل مطارات بغداد والنجف وأربيل والسليمانية، التي توقفت عن استقبال الرحلات الإيرانية منذ 25 سبتمبر.
وبذلك خرجت أهم المطارات الإقليمية المحيطة بإيران من دائرة الخدمة بالنسبة للشركات الإيرانية. ويُشار إلى أن موقف العراق بهذا الشكل لم يكن متوقعاً لدى الكثيرين، في حين اكتفت إيران حتى الآن بردود إعلامية محدودة.
هل ما زالت ماهان تُسيّر رحلات؟
لا تزال ماهان إير تحتفظ برحلات مباشرة إلى شرق آسيا، وتشمل تايلاند وروسيا والصين وفيتنام. كما تشغل إيران إيرتور رحلات مباشرة إلى وجهات جذابة مثل كوالالمبور.
وبحسب معلومات حصلت عليها «رويداد24» من أحد المواقع السياحية المعروفة، فإن بعض الجولات السياحية إلى جورجيا ما زالت تُباع عبر السفر جواً إلى أرمينيا ثم مواصلة الرحلة براً أو جواً من هناك إلى جورجيا.
وبذلك تبقى عدة مسارات مهمة في الشرق والغرب مفتوحة أمام الشركات الإيرانية: تركيا وأرمينيا وتايلاند وماليزيا وروسيا والصين. في المقابل، توقفت الرحلات المباشرة السابقة إلى أذربيجان والعراق وجورجيا والإمارات وعمان بشكل كامل.
أما ما يُتداول عن توقف الرحلات التركية، فهو يتعلق بشركات الطيران التركية نفسها، التي علّقت تقريباً جميع رحلاتها من وإلى إيران منذ 9 إسفند، أي بداية الحرب. وقد مددت الخطوط التركية هذا التعليق حتى مارس 2027 على الأقل، وفعلت بيجاسوس الشيء نفسه. أما الشركات الأجنبية الأخرى مثل لوفتهانزا وأوستريا وقطر للطيران، فقد علّقت رحلاتها منذ اليوم الأول للحرب، ولا يرتبط الأمر مباشرة بالعقوبات الأخيرة.
تركيا: المنفذ الأبرز رغم الصعوبات
تحتل تركيا أهمية خاصة. فإلى جانب الحدود المشتركة، تتمتع بشبكة نقل جوي واسعة، ويمكن لإسطنبول أن تؤدي دور مركز ترانزيت للمسافر الإيراني.
ورغم تعليق الرحلات التركية، لا يزال بإمكان المسافرين الإيرانيين الوصول إلى إسطنبول على متن رحلات إيرانية، ثم الاستفادة من شبكة الخطوط الدولية بفضل نظام الإعفاء من التأشيرة بين البلدين.
كما ازدادت أهمية المسار البري عبر معابر بازرغان ورازي وسرو، حيث ينتقل المسافر إلى مدن مثل فان أو إسطنبول لمواصلة رحلته جواً. غير أن هذا المسار لم يعد رحلة بسيطة تستغرق ساعات قليلة. فقد أدت زيادة الطلب إلى طوابير طويلة عند الحدود، واضطر بعض المسافرين إلى دفع تكاليف أعلى للحافلات والنقل البري. وانتشرت في الأيام الأخيرة ادعاءات عن بيع تذاكر هذا المسار في السوق غير الرسمية بأسعار تصل إلى 65 مليون تومان.
وتشير الأسعار الرسمية إلى أن الرقم المذكور غير مؤكد في أنظمة البيع الرسمية، حيث يدور السعر الرسمي حول 8 ملايين تومان، لكن المقاعد كانت مكتملة، ما يدفع بعض المسافرين نحو السوق غير الرسمية.
أرمينيا: خيار صغير لكنه استراتيجي
يمثل المسار الأرمني المنفذ الثاني الأبرز. فالرحلات المباشرة بين طهران ويريفان ما زالت قائمة، كما ترتبط أرمينيا بإيران براً عبر معبر نوردوز-أغاراك.
وفي حال تشديد القيود الجوية، قد يزداد أهمية هذا المسار. غير أن طاقته الاستيعابية لا تقارن بمطار كبير مثل إسطنبول، وقد تتحول المعابر والطرق المؤدية إلى يريفان ومطار زفارتلوتس إلى نقاط اختناق إذا ارتفع الطلب فجأة.
لماذا أذربيجان ليست خياراً جيداً؟
من الناحية الجغرافية، تُعد أذربيجان أحد الخيارات المنطقية للربط بالشبكة الجوية الدولية. فباكو قريبة نسبياً، ومطار حيدر علييف يتمتع بشبكة رحلات واسعة. لكن المشكلة أن العبور البري الاعتيادي للمسافرين عبر الحدود الإيرانية-الأذربيجانية ما زال غير ممكن، كما أن الدخول إلى أذربيجان يتطلب تأشيرة. وفي الوقت نفسه توقفت رحلات الشركات الإيرانية إليها. وبذلك خرجت أذربيجان من دائرة الخيارات الفورية والعامة.
العراق: المسار الذي فُقد فجأة
كان العراق حتى أيام قليلة أحد أهم المسارات الجوية لإيران. فإلى جانب بغداد، كانت مطارات النجف وأربيل والسليمانية مهمة للمسافرين الإيرانيين. لكن منذ 25 سبتمبر توقفت المطارات الأربعة الرئيسية عن استقبال الرحلات الإيرانية.
ولهذا التطور بعدان: أولاً أن العراق كان من أبرز وجهات السفر للإيرانيين، وثانياً أنه كان يؤدي دور مسار وسيط لجزء من المسافرين. والآن لم يتبقَّ سوى العبور البري عبر معابر مهران وشلمجة وتشذابة، وهي مسارات لا تقارن طاقتها بشبكة جوية. ومع ذلك، ما زالت هناك أنباء متداولة عن استمرار بعض خدمات السكك الحديدية بين إيران وتركيا.
السكك الحديدية ليست بديلاً عن الطائرات
يُطرح أحياناً القطار كبديل عن الطائرة. لكن المشكلة ليست في غياب الخطوط الحديدية، بل في القدرة الاستيعابية المحدودة جداً للنقل الحديدي الدولي للمسافرين. فحتى على المستوى الداخلي، تعاني سكك حديد إيران من أزمات وتقادم شديد، مما أخرجها عملياً من خيارات السفر الخارجي.
يوجد خط مسافرين بين إيران وتركيا، وتم إحياء قطار طهران-فان، لكن طاقته محدودة. ولا يمكن للقطار الدولي أن يحل محل مئات الرحلات الجوية في ظل أزمة جوية. فالتواتر المحدود وطول مدة الرحلة وقلة الوجهات يجعلان من السكك الحديدية مساراً مكملاً في أحسن الأحوال، لا حلاً لخروج واسع النطاق.
السيارات الخاصة ليست حلاً جماعياً
يبدو الخروج بالسيارة الخاصة سهلاً للوهلة الأولى: تشغيل المركبة والتوجه إلى الحدود. لكن إذا اتخذ عشرات الآلاف هذا القرار في الوقت نفسه، تتغير المعادلة.
فتكاليف الوقود واستهلاك السيارة والإقامة والرسوم والطوابير الحدودية وطاقة الطرق ليست سوى جزء من المشكلة. فالاختناق الحقيقي ليس في قدرة السيارة على الوصول إلى الحدود، بل في قدرة المعبر على الاستيعاب وقدرة الدولة المجاورة على استقبال المسافرين. وإذا وصل عدة آلاف من السيارات يومياً إلى معبر واحد، فقد يتحول حتى الطريق السليم إلى نقطة انسداد.
وقد أفادت التقارير في الأيام الأخيرة بزيادة ملحوظة في الحركة البرية باتجاه تركيا وأرمينيا، رغم أن تجربة الخروج البري جُرّبت خلال أيام الحرب السابقة.
ماذا لو تفاقمت القيود؟
إذا بقيت القيود عند مستواها الحالي، فمن المرجح أن يتجه السفر الخارجي نحو الرحلات المركبة: يصل المسافر براً أو جواً إلى دولة مجاورة ثم يواصل رحلته على متن خطوط أجنبية. أما إذا امتدت القيود إلى تركيا أو أرمينيا، أو تزايد الضغط على المسارات البرية، فستتقلص الخيارات بشكل ملموس.
وفي مثل هذه الحالة، ستواجه إيران مشكلة لوجستية لا يمكن حلها بإضافة بضع رحلات أو حافلات.



