ترند استقالة المعلمين يجتاح إيران.. ضغوط المعيشة تدفع الكفاءات إلى الرحيل

أكد خبير في مجال التعليم أن التضخم والضغوط الاقتصادية قلّصا سلة معيشة العاملين في قطاع التعليم الإيراني إلى حد دفع كثيرين منهم إلى العمل في وظيفة ثانية لتجنب انهيار أسرهم.

ميدل ايست نيوز: قال خبير في مجال التعليم إن متوسط رواتب المعلمين الإيرانيين البالغ 25 مليون تومان، في مقابل تكاليف معيشة تتراوح بين 60 و75 مليون تومان، إلى جانب الضغوط المعيشية وتراجع الدافعية، يمثل أحد العوامل وراء استقالة المعلمين وخروج الكفاءات من قطاع التعليم.

وتحولت الاستقالة من العمل إلى ترند على وسائل التواصل الاجتماعي بين المستخدمين الإيرانيين، إذ تتداول هذه الأيام على إنستغرام مقاطع فيديو تُظهر أشخاصًا من مختلف المهن وهم يتركون وظائفهم. ويشير هؤلاء إلى انخفاض الدخل، وطول ساعات العمل، أو الابتعاد عن الوظيفة المثالية، باعتبارها من بين الأسباب التي دفعتهم إلى الاستقالة. وكانت استقالات المعلمين من بين الحالات الأكثر تكرارًا في هذه المقاطع.

وفي هذا السياق، قال خبير في مجال التعليم لوكالة خبر أونلاين: «هذا العدد من الاستقالات يشبه قمة جبل الجليد الظاهرة فوق سطح الماء، أي أن جزءًا فقط من المعلمين في قطاع التعليم أقدموا على هذه الخطوة، بينما يواجه عدد أكبر من مجتمع المعلمين مشكلات تتعلق بالدخل والمعيشة».

وأضاف محمد رضا نيك‌ نجاد، عن أسباب استقالة عدد من المعلمين مؤخرًا. وأشار إلى مقاطع الفيديو المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، موضحًا أن هذه الاستقالات ليست سوى «قمة جبل الجليد»، وتعكس أزمة أعمق داخل قطاع التعليم في إيران.

وقال نيك‌ نجاد: «الكثير من المعلمين الذين يمرون بظروف مماثلة، إما يخشون العواقب المحتملة لإعلان استقالتهم علنًا، أو أنهم لا يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي أصلًا لنشر ما يحدث معهم. لذلك، فإن ما نراه اليوم على شبكات التواصل الاجتماعي لا يمثل سوى جزء صغيرًا من الواقع المرير الذي يخيّم على هذه المؤسسة التعليمية».

وأضاف أن هواجس العاملين في قطاع التعليم بشأن أوضاعهم المعيشية ليست جديدة، لكنها تفاقمت خلال السنوات الأخيرة بصورة غير مسبوقة. وأوضح خبير التعليم، مشيرًا إلى الفجوة العميقة بين الدخل وتكاليف المعيشة: «في السابق، كانت مشكلة المعلمين تتمثل في انخفاض الرواتب، لكن الوضع اليوم وصل إلى مرحلة حرجة. ففي حين تُقدّر تكاليف المعيشة في مدينة متوسطة الحجم بما لا يقل عن 60 إلى 75 مليون تومان، بلغ متوسط ما يتقاضاه المعلمون الذين لديهم نحو 15 عامًا من الخبرة 25 مليون تومان، وهو مبلغ لا يكفي عمليًا لتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة».

المعلمون تحت الضغط الاقتصادي.. تراجع الدافعية وجودة التعليم في الفصول

وأكد نيك‌ نجاد أن التضخم والضغوط الاقتصادية قلّصا سلة معيشة العاملين في قطاع التعليم إلى حد دفع كثيرين منهم إلى العمل في وظيفة ثانية لتجنب انهيار أسرهم. وقال: «المعلم الذي يرزح بنفسه تحت ضغوط اقتصادية ساحقة، ويشعر بالقلق بشأن تأمين تكاليف الحياة الأساسية، بأي روح معنوية يمكنه أن يعلّم الطلاب؟ وعندما تتراجع مكانة المعلم وموقعه الاجتماعي من الناحية الاقتصادية، فإن قدرته على منح الطلاب الأمل بالمستقبل تتلاشى أيضًا».

وشدد خبير التعليم على أن المعلمين في الماضي لم يكونوا مجرد مدرّسين للمواد الدراسية، بل كانوا أيضًا قدوة أخلاقية وداعمين للطلاب، لكن الوضع اليوم أصبح مؤسفًا إلى درجة أن المعلم نفسه بات بحاجة إلى الدعم. وأضاف: «هذه الهواجس المعيشية أدت إلى تراجع جودة التعليم في الفصول الدراسية بشكل حاد، وجعلت كثيرًا من المعلمين يدخلون الفصول وهم يعانون من انعدام الدافعية واليأس؛ فالمعلم غير الراضي لا يشيد بأحد أيضًا».

وفي جزء آخر من تحليله، تطرق الخبير الإيراني إلى سلوك الموظفين في المؤسسات غير الفعالة، وقسّمهم إلى ثلاث فئات. وقال: «الفئة الأولى هي أولئك الذين تأقلموا مع النظام، ويواصلون عملهم بصرف النظر عن عدم كفاءته، ويقتصر حضورهم على الوجود الجسدي. أما الفئة الثانية، فهي أولئك الذين يختارون الرحيل تحت وطأة الضغوط المادية والمعنوية ويغادرون المؤسسة؛ وبالنسبة إلى هذه المجموعة، لا تهمهم مستقبل المؤسسة».

وأضاف: «أما الفئة الثالثة، فهي المعلمون المنتقدون الذين يهمهم مستقبل النظام وجودة أدائه. هؤلاء هم الذين يبقون، ويحتجون، ويحاولون إيصال وجهات نظرهم الإصلاحية إلى المسؤولين».

تحذير من خروج الكفاءات من قطاع التعليم

وأكد خبير التعليم أن على الحكومات اعتبار المعلمين المنتمين إلى الفئة الثالثة من استثماراتها البشرية. وقال: «بدلًا من معاقبة هذه الكوادر أو فصلها، ينبغي للحكومات أن تفتح المجال أمام انتقاداتهم، وأن تستفيد من آرائهم في إصلاح الأوضاع. لكننا للأسف نشهد التعامل مع هؤلاء المعلمين».

وفي ختام حديثه، اعتبر نيك‌ نجاد أن استقالات المعلمين المصحوبة بالاستياء تمثل نوعًا من الاحتجاج على الوضع القائم. وحذر قائلًا: «هذا المسار يدل على أزمة خطيرة في البلاد. النظام يفقد كوادره الكفؤة والمهتمة، وهي كوادر ظلت حتى اللحظة الأخيرة على أمل حدوث تغيير، لكنها اليوم تغادر الهيكل وهي تشعر باليأس. إن خروج الكفاءات أمر مخيف ومؤسف للغاية، وإذا لم تُتخذ تدابير لمعالجته، فستكون له عواقب لا يمكن تداركها على مستقبل التعليم في البلاد».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى