من الصحافة الإيرانية: كأس السم التي تجرعها أوجالان ليست خبرًا سارًا لإيران
إن "كأس السم" التي تجرعها أوجالان والذي تزامن مع الإطاحة ببشار الأسد من المؤكد أنه سيهيئ الأرضية لتعزيز وزيادة نفوذ تركيا في المنطقة وتقليص قدرة إيران.

ميدل ايست نيوز: دخل عبدالله أوجالان، الحاصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة أنقرة عام 1984، في عملية الحرب المسلحة لتحقيق حقوق الأكراد في تركيا من خلال حزب العمال الكردستاني الذي تم تأسيسه عام 1978.
منذ تلك اللحظة، ومع مرور الوقت، بات الكفاح المسلح حلا للقضية الكردية، رغم التكلفة العالية التي دفعها في هذا الصراع. يشير أوجالان في بيانه الأخير، الذي أسميه “كأس السم التي تجرعها أوجالان”، إلى أن حزب العمال الكردستاني تأسس في ظروف خاصة سواء على الصعيدين الدولي أو الداخلي. فمن الناحية الدولية، مع وصول رونالد ريغان إلى السلطة واتباعه سياسات صارمة ضد الاتحاد السوفيتي، شهدنا تصعيدًا للحرب الباردة، وكان الحل الوحيد لليساريين الأكراد في مواجهة النظام الإمبريالي، الذي كانت تركيا جزءًا منه، هو الكفاح المسلح واتباع “الاشتراكية الواقعية”. أما في تركيا، فقد كانت الحكومة المركزية تمارس سياسة “إنكار هوية الأكراد” من خلال وصفهم بـ”أتراك الجبال” والعنف المنهجي ضدهم. رأى أوجالان في بيانه الأخير، أنه لم يعد هناك شيء اسمه “الاشتراكية الواقعية” ولا إنكار هوية الأكراد أو وصفهم بـ”أتراك الجبال”، وبالتالي فإن الفرصة قد أصبحت متاحة للخروج من مرحلة الكفاح المسلح والانتقال إلى العمليات الديمقراطية.
من المهم أن نعلم أن أوجالان، كاشتراكي، لم يكن صاحب أيديولوجية واضحة بشأن عملية “دولة-أمة كردية” في تركيا. ورغم أنه كانت هناك أحيانًا فواصل عميقة بين المبادئ العملية لحزب العمال الكردستاني وآراء مؤسسه وأيديولوجيته، إلا أن الدوكسين “أبويزم” المتأثر بالفكر اليساري الجديد وما بعد البنيوي يحتوي على آراء تسعى لتحرير الإنسان على مختلف المستويات الإثنية والجنسانية واللغوية والدينية وكل الأبعاد الهووية والأخلاقية.
أدى تطور الوضع في سوريا، وصعود دونالد ترامب الذي لا يؤمن أساسًا بمفهوم الدولة-الأمة الجديد ويعارض الاشتراكية بشدة، وقوة تركيا بسبب الأوضاع الإقليمية في القوقاز وآسيا الوسطى وشرق المتوسط وشمال إفريقيا، إلى تحول كبير في الحرب والمقاومة المسلحة لحزب العمال الكردستاني. كما أن حاجة أوروبا للحفاظ على تركيا لمواجهة ضغوط روسيا والولايات المتحدة، وكذلك التوجهات الابتكارية لحزب الحركة القومية بقيادة دولت بهجلي، دفعت أوجالان إلى اتخاذ قرار “كأس السم” وترك الكفاح المسلح، مؤكدًا على الدخول في العمليات الديمقراطية.
المسألة المهمة التي يجب أخذها في الاعتبار هي التزام الحكومة التركية، وخاصة حزب الحركة القومية والذئاب الرمادية، بالعمليات والتنظيمات الديمقراطية. لكن هناك سؤال يطرح نفسه هن : إذا كانت حكومة أردوغان والكماليين يعتبرون تسامحهم مع أوجالان وحزب العمال الكردستاني ليس كاستراتيجية، بل كبديل للحد من قدرة الأكراد العسكرية واللوجستية في تركيا ومن ثم في سوريا، هل سيكون للأكراد أوراق كبيرة للعب في المجال السياسي التركي؟
يبدو أن الأكراد اليساريين في تركيا وسوريا عالقون في “معضلة سياسية”. ومن هنا جاء تسميتي لبيان أوجالان بـ”كأس السم”. فمن جهة، إذا رفضوا التوقف عن القتال ودخول العمليات السياسية والديمقراطية، فإنهم سيتم قمعهم تمامًا بالنظر إلى القوة الداخلية والإقليمية والدولية لتركيا، مما قد يعرض موقعهم السياسي في كل من تركيا وسوريا للخطر. ومن جهة أخرى، إذا دخلوا في العمليات السياسية وتخلوا عن النزاع والكفاح المسلح، فإنهم قد يخسرون القوة العسكرية، وقد تتقلص إمكانياتهم السياسية، وبالتالي يفقدون قدرتهم على التفاوض والمساومة السياسية.
هذا هو المأزق الذي يشير إلى أن التوقف عن القتال لحزب العمال الكردستاني قد يكون تكتيكًا للخروج من المأزق السياسي والعسكري الحالي، وأنه حتى يتحول هذا إلى حل استراتيجي لليساريين الأكراد، سيظل الطريق طويلاً وصعبًا. لكن “كأس السم” التي تجرعها أوجالان، إلى جانب الإطاحة ببشار الأسد، من المؤكد أنه سيهيئ الأرضية لتعزيز وزيادة نفوذ تركيا وتقليص قدرة إيران. من الناحية الاستراتيجية، فإن “كأس السم” لأوجالان ليس خبرًا جيدًا لإيران، إلا إذا قامت بإحداث بعض الابتكارات وتغيير بعض السياسات على الصعيد الدولي لإضافة أجندات وخيارات جديدة إلى قائمة المطاعم في المنطقة. ومن المؤكد أن أحد هذه الخيارات هو حل القضايا مع الولايات المتحدة وتطوير العلاقات مع الدول العربية في المنطقة وإنشاء علاقة متوازنة إقليميًا ودوليًا.
قدرت أحمديان
محلل كردي كبير وأستاذ جامعي



