الصحافة الإيرانية: الجدل يعود مجدداً بين طهران والوكالة الذرية حول التفتيش والالتزامات القانونية
عاد رافائيل غروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في جولة جديدة من المقابلات الصحفية إلى طرح مواقفه الانتقادية بشأن الملف النووي الإيراني.

ميدل ايست نيوز: عاد رافائيل غروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في جولة جديدة من المقابلات الصحفية إلى طرح مواقفه الانتقادية بشأن الملف النووي الإيراني، متحدثًا عن محدودية وصول مفتشي الوكالة إلى المواقع الرئيسية.
وقال غروسي في مقابلة مع وكالة «ريا نوفوستي» إن الوكالة تمكنت من استئناف عمليات التفتيش في إيران، إلا أن هذه التفتيشات محدودة للغاية ولا تشمل جميع المنشآت النووية.
وبحسب غروسي، فإن الوكالة لا تمتلك حاليًا إمكانية الوصول إلا إلى المواقع التي لم تتعرض لأضرار جراء الهجمات العسكرية الأميركية الأخيرة، موضحًا أن هذا المستوى من الوصول رغم كونه خطوة إيجابية لا يعد كافيًا.
وأكد المدير العام للوكالة أن مواقع نطنز وأصفهان وفوردو تحظى بأهمية خاصة، كونها لا تزال تضم كميات كبيرة من المواد والمعدات النووية، وأنه يجب على الوكالة العودة إلى هذه المراكز.
ووصف غروسي هذه المسألة بأنها «السؤال الأهم حاليًا بالنسبة للوكالة تجاه إيران»، مشيرًا إلى أن إجراء تقييم شامل لوضع البرنامج النووي الإيراني لن يكون ممكنًا من دون الوصول إلى هذه المواقع.
وقالت صحيفة شرق، إنه في الوقت نفسه، لم يتطرق غروسي إلى الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على المنشآت النووية الإيرانية، مكتفيًا بالتركيز على ضرورة عودة المفتشين.
وكان قد قال في وقت سابق، في مقابلة مع مجلة ناطقة بالإسبانية في الأرجنتين، إنه يسعى للتوصل إلى حل مستدام للملف النووي الإيراني.
وأوضح غروسي أن المفاوضات الجارية تشمل أطرافًا متعددة، وأنه على تواصل في هذا المسار مع مسؤولين إيرانيين وأوروبيين وروس وصينيين، وحتى مع رئيس الولايات المتحدة. ووفقًا له، لا تزال مشكلة الملف النووي الإيراني دون حل، وتتوقع الوكالة أن يتمكن مفتشوها، استنادًا إلى الاتفاقات القائمة، من استئناف أنشطتهم الرقابية بشكل كامل في إيران.
تكرار مواقف غروسي لا يغيّر من الحقائق القائمة
من جانبه، أوضح إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، خلال المؤتمر الصحفي الأسبوعي يوم الأحد، آخر تطورات العلاقات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومسألة الوساطة المصرية، مشيرًا إلى أنه لا توجد في الوقت الراهن وساطة بالمعنى المتعارف عليه.
وقال إن إيران تتواصل مع الوكالة كلما دعت الحاجة، وإن بعثة إيران في فيينا على اتصال مستمر مع مديري الوكالة، وإن هذه الاتصالات متواصلة على مستويات مختلفة. وأكد بقائي أن إيران عضو في الوكالة، ومن هذا المنطلق فإن قنوات التواصل والتفاعل بين الطرفين قائمة.
وتطرق بقائي إلى احتمال إعداد آلية أو إطار جديد للتعاون مع الوكالة، موضحًا أن مثل هذا الأمر يتطلب نقاشًا وتبادلًا للآراء، إلا أن أساس تعامل الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع الوكالة في الوقت الحالي يستند إلى القانون الذي أقره مجلس الشورى الإسلامي، والذي يحدد بوضوح إطار وآلية التعاون. وبيّن أن هذا القانون يشكل المعيار الأساسي لسلوك إيران وتفاعلها مع الوكالة.
وفي ردّه على سؤال بشأن تصريحات رافائيل غروسي الأخيرة حول وجود نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة في إيران، وكذلك اتصالاته مع مسؤولي إيران والصين وروسيا والدول الأوروبية، قال بقائي إن المدير العام للوكالة يكرر بعض العبارات والمقولات بشكل متواصل، إلا أن هذا التكرار لا يغيّر من الحقائق القائمة.
وأكد أن الحقيقة هي أن إيران لا تزال عضوًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وتدرك التزاماتها في إطار اتفاق الضمانات، وتلتزم بها.
وأضاف بقائي أنه كان من المتوقع أن يوجّه المدير العام للوكالة خطابه، بدل التركيز الدائم على إيران، إلى الأطراف التي كانت سببًا في الوضع الراهن. وانتقد عدم إشارة المدير العام للوكالة ومجلس المحافظين، ولو بشكل عابر، إلى حقيقة أن المنشآت النووية السلمية الإيرانية تعرضت لهجمات غير قانونية من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وقال إن المقاربات الأحادية وغير المنصفة، التي تضع طرفًا واحدًا فقط موضع المساءلة، لا يمكن أن تسهم في حل القضايا. وشدد على أن المدير العام للوكالة مطالب، استنادًا إلى الصلاحيات والمسؤوليات الممنوحة له بموجب النظام الأساسي للوكالة، باعتماد مقاربة فنية ومهنية في معالجة هذه الملفات.
الوكالة مطالبة بالإعلان عن تعليمات تفتيش المنشآت المتضررة إن وُجدت
بدوره، قال محمد إسلامي، نائب رئيس الجمهورية ورئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، ردًا على تصريحات غروسي، إن عمليات التفتيش اقتصرت على المواقع التي لم تتعرض لهجمات، في حين أن القضية الأساسية تتعلق الآن بالمراكز التي تضررت جراء العمليات العسكرية. وأوضح أن هذه المراكز تحتاج إلى بروتوكول وتعليمات واضحة. وأكد أن وكالة لم تُصدر إدانة، ولم تتخذ موقفًا رسميًا، ولم تقدّم أي تعليمات، لا يمكنها الادعاء بإمكانية تفتيش هذه المراكز.
وأشار إسلامي إلى أن إيران أجرت المراسلات اللازمة في هذا الشأن، لكنها لم تتلقَّ أي رد واضح من الوكالة. وقال إن الضغوط التي تمارسها إسرائيل والولايات المتحدة وثلاث دول أوروبية على إيران لم تؤثر عليها، مؤكدًا أن الوكالة هي الجهة التي ينبغي أن تكون مسؤولة أمام الرأي العام العالمي.
وأضاف أن الهجوم على المنشآت النووية قد يحدث في أي بلد، وليس حكرًا على إيران، وأن جميع المنشآت النووية الإيرانية مسجلة بالكامل لدى الوكالة وكانت دائمًا تحت إشرافها. وأكد أنه في الظروف الحالية، ليس الوقت مناسبًا لطرح الأسئلة من قبل الوكالة، بل هو وقت تقديمها للإجابات.
وطالب الوكالة بتوضيح موقفها، وبيان سبب عدم إدانتها لهذه الهجمات، وتحديد التعليمات التي تمتلكها، وإن كانت هناك تعليمات فعلية، فعليها سلوك المسار الرسمي لإبلاغ إيران بها، حتى تتمكن طهران من استلامها ودراستها واتخاذ القرار المناسب بشأنها.
نزاع بلا حل
ومن مجمل المواقف الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يمكن استنتاج أن العلاقات بين طهران والوكالة دخلت مرحلة من الجمود والاستنزاف. إذ يتمسك كل طرف بأطره وخطوطه الحمراء من دون تقديم تنازلات؛ فالوكالة تؤكد ضرورة الاستئناف الكامل لعمليات التفتيش والوصول إلى المواقع الرئيسية، فيما تشترط إيران تعاونها بالالتزام بالقوانين الداخلية، وإدانة الهجمات العسكرية، وعودة الوكالة إلى نهج فني بحت.
وفي هذا السياق، فإن تكرار المواقف السابقة من دون طرح حلول عملية لم يسهم في تقليص فجوة انعدام الثقة، ولم يفتح مسارًا جديدًا للخروج من حالة الانسداد. واستمرار هذا الوضع قد يدفع بالخلافات من الإطار الفني إلى حيز أكثر تسييسًا، حيث إن الضغوط الخارجية على الوكالة وردود الفعل المقابلة من طهران قد تجعل التوصل إلى تفاهم مستدام أكثر صعوبة من أي وقت مضى.



